مشعر منى .. عراقة التاريخ … وعبقرية الحاضر

بقلم الأستاذة : منى مضيف القرشي
منذ أن وقف إبراهيم عليه السلام في هذا الوادي، ومنى تستقبل القادمين من كل فجٍّ عميق
هنا تُرمى الجمرات، و تُسكب الدموع و العبرات ويعود الإنسان لذاته الأولى، الذات التي خُلقت نقية، ومضت تبحث عن طريق العودة…
هنا، يتخفف الإنسان من اسمه، من مهنته، من أعباءه ، من أخطاءه ، من ماضيه، من صوت جلاده الذي ينحت روحه حيناّ بعد حين، و يدخل بثيابٍ واحدة، ونيّة واحدة، وقلبٍ واحد ويذوب في بياضٍ واسع ليصبح جزءاً من هوية أكبر هوية المشعر نفسه.
هنا، لا أحد يعرف من أنت، ولا أحد يسأل: من أين جئت؟
الجميع “حاج” ولا صوت يعلو على صوت التلبية، ولا يسبق أحدٌ أحداً إلا بصفاء نيّته.
هذا المشعر هو مسرح أحداث، وذاكرة إسلامية حية وباقية ، كل صخرة تحمل أثراً من دعاء، وكل ظلٍّ يحمل بقايا ابتهالات ، وكل نسمةٍ تحمل حكاية من مرّوا هذا المكان عبر السنين و هذا الامتزاج بين الخطوة الأولى والخطوة الأخيرة، يجعلك تشعر أنك تسير داخل قصةٍ كُتبت قبل أن تُخلق، لكنك الآن تعيشها وكأنها قصتك وحدك .
وإذا كان التاريخ قد منح منى قدسيتها، فإن الحاضر منحها تميزها ، عبقرية هذا المشعر هي في قدرته على احتضان ملايين البشر بجنسيات و مرجعيات وثقافات ولهجات مختلفة في مساحة محدودة، وفي وقت قصير لاداء مهمة الحج أو خدمة الحج ضمن واحدة من أعقد وأقوى و أذكى المنظومات الهندسية والتشغيلية ، مِنى الآن أنموذجاََ و مدينة خدمات متكاملة تعمل بدقة وروح إنسانية و هي اليوم دليل صارخ يتحدث عن نفسه وعن قدرة المملكة على تحويل المشاعر المقدسة إلى منظومة عالمية تُدار بأعلى معايير الجودة والإنسانية و الذكاء .
منى ليست محطة في رحلة الحج…
إنها نقطة رجوع وتماهي و سمو ، ومختبرٌ روحي يُعاد فيها هندسة معادلات الارواح، عندما يطوي الحاج مظلته ، ويحزم حقيبته مودعاََ مِنى، يبقى شيء من هذا الوادي الأبيض معلقاً في قلبه يجعله يأنف عن الردايا و ينأى بروحه عن كل خطيئة
هذا المشعر يعلّم الإنسان كيف يكون صغيراً أمام الله وكبيراً بالإنسانية، و أنك حين تتخلى عن هويتك الصغيرة تكتشف هويتك الكبرى، وأن القرب من الله لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، بل إلى نفس تخشع و تلتقط الرحمات و قلب يعرف كيف يصمت.



