رحلة الحج ومشاعر الإيمان : الحج لغةً: القصد والزيارة والتوجه إلى الشيء.

بقلم ✍️ راشد بن محمد الفعيم
الحج شرعًا :
هو التعبد لله تعالى بالقصد إلى بيت الله الحرام، لأداء أعمال مخصوصة بأقوال وأفعال معلومة، في زمن مخصوص وهو أشهر الحج، على صفة شرعها الله تعالى على لسان نبيه محمد ﷺ، تقربًا إليه سبحانه وتعظيمًا لشعائره.
ويُعدّ الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو فريضة عظيمة فرضها الله تعالى على كل مسلم مستطيع مرة في العمر، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾.
وقد فُرض الحج في أواخر السنة التاسعة من الهجرة، وأدّاه النبي ﷺ في السنة العاشرة في حجة الوداع، وبيّن فيه مناسك الحج بيانًا كاملًا جامعًا للأمة.
ويُعدّ الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج وأهمها، وهو الركن الذي لا يتم الحج إلا به، ولا يصح بدونه، فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج كله بإجماع أهل العلم، ولذلك قال النبي ﷺ: «الحج عرفة».
أركان الحج أربعة:
أولها: الإحرام بالحج (وهو نية الدخول في النسك والتلبية).
ثانيها: الوقوف بعرفة (وهو الركن الأعظم الذي لا يتم الحج إلا به).
ثالثها: طواف الإفاضة (وهو ركن لا يتم الحج إلا به ويكون بعد يوم النحر).
رابعها: السعي بين الصفا والمروة.
واجبات الحج سبعٌ:
الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهارًا، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى ليالي التشريق، ورمي الجمار، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع.
أنساك الحج ثلاثةٌ:
أفضلها التمتع، ثم القِران، ثم الإفراد.
التمتع: أن يأتي بعمرة مستقلة في أشهر الحج ثم يتحلل منها، ثم يحرم بالحج في نفس العام.
القِران: أن يقرن العمرة مع الحج بإحرام واحد وأعمال واحدة.
الإفراد: أن ينوي الحاج الحج وحده دون عمرة في سفرته هذه.
والحج عبادة عظيمة جامعة بين الإيمان والعمل، تتجلى فيها معاني التوحيد والخضوع لله رب العالمين، ويظهر فيها اجتماع المسلمين من كل فجٍ عميق على صعيد واحد، لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
والحج عبادة مالية وبدنية؛ فهو يحتاج إلى المال؛ لأن الوصول إلى المشاعر المقدسة يتطلب السفر، والمبيت يحتاج إلى سكن وطعام وكسوة، وكل ذلك يحتاج إلى مال. كما أنه عبادة بدنية؛ لأن الحاج يؤدي المناسك بجسده، فتارة يمشي وتارة يركب، ويرمي الجمار، ويحلق رأسه أو يقصر، وغيرها من الأعمال التي تحتاج إلى جهد بدني. فالحج يجمع بين العبادتين: المالية والبدنية معًا.
ويبدأ الحجاج في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، وسُمّي بهذا الاسم لأن الحجيج كانوا يتزوّدون فيه بالماء قديمًا، فيملؤون القِرَب استعدادًا للذهاب إلى عرفة؛ لندرة المياه آنذاك. ثم يتوجه الحجاج إلى منى في هذا اليوم، فيبيتون فيها، ثم ينطلقون فجر يوم عرفة إلى عرفات مارّين بمزدلفة، بحسب التنظيم والاستطاعة.
ويوم عرفة من أعظم أيام الدنيا، وفيه يباهي الله تعالى بأهل الموقف ملائكته، ويغفر لهم، ويعتق رقابهم من النار، وهو يوم رحمة ومغفرة وعتق من العذاب. ويقف الحجاج بعرفة من زوال الشمس إلى غروبها، يذكرون الله ويدعونه ويتضرعون إليه، ويصلّون الظهر والعصر جمعًا وقصرًا اقتداءً بسنة النبي ﷺ.
فإذا غربت الشمس انطلقوا إلى مزدلفة، التي تبعد عدة كيلومترات عن عرفة، سيرًا أو ركوبًا بحسب الوسيلة المتاحة. وعند وصول الحجيج إلى مزدلفة يصلّون المغرب والعشاء جمعَ تأخيرٍ، ويبيتون تلك الليلة فيها.
وفي مزدلفة يلتقط الحجاج حصى الجمار، ثم يتجه أهل الأعذار والضعفاء بعد منتصف الليل إلى منى تخفيفًا عليهم، لرمي جمرة العقبة الكبرى، وهي أول أعمال يوم النحر، فيرمونها بسبع حصيات مع التكبير مع كل حصاة.
ثم يحلق الحاج أو يقصر شعره، ثم يتوجه إلى المسجد الحرام لأداء طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ثم يسعى بين الصفا والمروة إن لم يكن قد سعى من قبل، وكل حاج بحسب نسكه: مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا.
ثم يعود الحجاج إلى منى للمبيت فيها أيام التشريق، فيرمون الجمرات الثلاث: الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، في اليومين الحادي عشر والثاني عشر، ويجوز التعجل في اليوم الثاني عشر بعد الرمي.
ومن أراد التعجل خرج بعد اليوم الثاني عشر، وطاف طواف الوداع وهو آخر أعمال الحج، ثم يعود إلى أهله وقد أتم الله عليه مناسكه بفضله وكرمه. أما غير المتعجل فيمكث حتى اليوم الثالث عشر، ويرمي الجمرات الثلاث، ثم يطوف طواف الوداع قبل مغادرة مكة، ويكون بذلك قد أتم حجه كاملًا بإذن الله تعالى.
نسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يغفر ذنوبهم، وأن يكتب لهم الأجر العظيم، وأن يرزقنا وإياكم حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ.
تنبيه:
يُلاحظ -للأسف- قيام بعض الحجاج بالعودة إلى بلدانهم بعد طواف الإفاضة يوم النحر، وتوكيل غيرهم في بقية المناسك دون عذر شرعي. وهذا التساهل يقدح في تمام النسك؛ فالنيابة والتوكيل إنما شُرِعا للضعفاء والمرضى والنساء عند الحاجة، وليس للأقوياء المترفهين. لذا يجب على الحاج القادر أن يُكمل مناسكه بنفسه، بالمبيت في منى ورمي الجمار في اليومين الحادي عشر والثاني عشر.



