يوم عرفة.. ميلادٌ جديد وصفحة بيضاء!!

أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي
يوم عرفة يومٌ لا يشبه الأيام، يومٌ تقف فيه القلوب قبل الأبدان، وترتفع فيه الأرواح قبل الأيدي، يومٌ أقسم الله به فكان المشهود الذي تجتمع فيه الرحمات، وتتنزل فيه المغفرة، وتُجاب فيه الدعوات. هو اليوم الذي يباهي الله بعباده ملائكته فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا، أشهدكم أني قد غفرت لهم. وهو اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا، فكان شاهدًا على كمال النعمة وتمام المنّة.
ومن أجمل ما في هذا اليوم ذلك المشهد المهيب حين يجتمع الحجيج على صعيد عرفات، لا فرق بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وعجمي، ولا بين غني وفقير. ألوان مختلفة، لغات متباينة، وأوطان متفرقة، لكن القلوب واحدة، والوجهة واحدة، والنداء واحد: لبيك اللهم لبيك. تتجسد هناك صور المحبة والإخاء والألفة في أبهى وأجمل صورها، فتذوب الفوارق، وتسقط الحواجز، وتشعر أن البشرية كلها عائلة واحدة جمعها التوحيد، ووحّدها الافتقار إلى الله. إنه مشهد مصغّر ليوم القيامة، يذكّر بأننا جميعًا نتجه إلى رب واحد، وأن الكرامة لا تكون إلا بالتقوى. ومن رأى هذا الجمع ولم يلِن قلبه، ولم يراجع حسابه مع الله ومع الناس، فقد فاته درسٌ عظيم في معنى الأخوة والوحدة.
في هذا اليوم يكون الدعاء أصدق ما يكون، لأن القلب يكون أرقّ ما يكون، والنفس أكثر انكسارًا بين يدي الغني الكريم. وخير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قال النبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. فاجعل دعاءك شاملًا لنفسك وأهلك وأمتك، استغفر لذنبك، واسأل الله الهداية والثبات، واطلب له العفو والعافية، ولا تنسَ أن تدعو لمن ظلمك عفوًا يطهّر قلبك قبل أن يُكتب لك الأجر. فالقلب الذي يرفع يديه بالدعاء اليوم، جديرٌ أن يعود غدًا أنقى وأطهر.
لكن يوم عرفة لا ينبغي أن ينتهي بغروب الشمس، بل ينبغي أن يكون نقطة تحول حقيقية في مسار الإنسان. اجعله صفحة بيضاء مع الله، قف مع نفسك وقفة صدق وسلها: ما الذنب الذي أثقلني؟ وما العادة التي أبعدتني؟ ثم اعقد العزم على تركها، واكتب عهدًا جديدًا مع ربك، فإن الله يفرح بتوبة عبده أشد من فرح الواجد لضالته. واجعله صفحة جديدة مع كل الناس، فكم من قطيعة بدأت بكلمة واستمرت سنين، وكم من قلب جفّ بسبب خصومة صغيرة. يوم عرفة فرصة لترسل رسالة اعتذار، أو ترفع سماعة الهاتف، أو تبتسم في وجه من خاصمت، فالترابط لا يبدأ إلا بخطوة، وأنت قادر عليها اليوم. تذكّر أن القرب من الله لا يكتمل إلا بقربٍ من خلقه، وأن صفاء العلاقة مع الناس علامة على صفاء العلاقة مع رب الناس.
واجعله صفحة أجمل مع ذاتك، حدّد ثلاثة أشياء ستغيرها بعد هذا اليوم: عبادة تثبت عليها، خلق سيء تتركه، ومشروع خير تبدأه. لا تكن موسميًا في الطاعة، بل اجعل من يوم عرفة شحنة إيمانية تعينك على ما بعده من الأيام، فالنفوس إن لم تُجدّد ذبلت، والهمم إن لم تُشحذ فترت. وحتى إن لم تكن من الحجيج الواقفين على عرفة، فلك من فضل هذا اليوم نصيب، فصيامه لغير الحاج يكفّر سنتين، سنة ماضية وسنة قادمة. اجلس ساعة قبل المغرب وحدك، أغلق ضجيج الدنيا، وارفع يديك وقل بلسان حالك قبل مقالك: يا رب، لا تردني خائبًا.
يوم عرفة يعلّمنا أن التغيير ممكن، وأن المغفرة قريبة، وأن القلوب إن أرادت الالتئام التامت. فلا تجعله يمرّ كغيره من الأيام، بل اجعله يوم الميلاد الجديد، يوم تقول فيه لنفسك بصدق: من اليوم سأكون أفضل، ولله أقرب، وللناس ألين. ومن ذاق لذة القرب في يوم عرفة، عرف أن الطريق إلى الله يبدأ بخطوة، وأن بداية الألف ميل تكون بعزمٍ لا يتزعزع. اللهم اجعلنا فيه من المقبولين، واكتب لنا فيه العتق من النار، واجعل ما بعده خيرًا مما قبله، واجمع قلوبنا على محبتك، ووحّد صفوفنا على طاعتك.



