اللحم الخزين والمتبل بالملح (المشرشر)

بقلم: إبراهيم النعمي
في زمنٍ كانت فيه الحياة بسيطة، وكانت وسائل المعيشة تعتمد على الجهد والصبر والحكمة، ابتكر الآباء والأجداد طرقًا تحفظ لهم الطعام وتعينهم على مواجهة قسوة الظروف وشح الإمكانيات. ومن بين تلك الطرق الشعبية القديمة برزت طريقة “المشرشر” أو اللحم الخزين، التي ارتبطت بعيد الأضحى المبارك، وأصبحت جزءًا من ذاكرة المجتمع وتراثه الشعبي الجميل. إنها حكاية تحمل عبق الماضي، وتروي كيف كان الإنسان قديمًا يتعامل مع النعمة بعناية وحرص، مستفيدًا من خبرته الفطرية في حفظ الطعام قبل ظهور الثلاجات ووسائل التبريد الحديثة.
كان “المشرشر” أو اللحم الخزين من الطرق القديمة التي اشتهر بها الآباء والأجداد في حفظ اللحوم، خاصة في أيام عيد الأضحى المبارك، وذلك قبل ظهور الثلاجات ووسائل التبريد الحديثة. وكانت هذه الطريقة تمثل جزءًا من حياة الناس البسيطة، وتعكس قدرتهم على التكيّف مع ظروف المعيشة قديماً.
فبعد ذبح الأضاحي، كانوا يقومون بتقطيع اللحم إلى شرائح طويلة تشبه السيور، ثم يُملّح جيدًا حتى يتشبع بالملح، وبعدها يُعلّق على حبال ممدودة داخل “العشة” المبنية من القش والجريد، أو داخل صناديق مصنوعة من الخشب والزنك لدى بعض الأسر. ويُترك اللحم أيامًا حتى يجف تمامًا ويصبح صالحًا للحفظ لفترات طويلة.
وعند الحاجة إليه، يُؤخذ منه مقدار معين، ثم يُنقع في الماء لتخفيف ملوحته قبل الطهي. وبعد ذلك يُطبخ في “المغاش” أو “الجغرة”، وهما إناءان من الفخار كانا يُستخدمان قديمًا للطبخ، ثم يوضع الطعام على “الميفا” بعد إشعال الحطب فيه، ليُقدّم مع الخمير أو القليل من الأرز، في صورة تجسد بساطة الحياة وروح القناعة في ذلك الزمن الجميل.
وقد استمرت هذه العادة لعقود طويلة، قبل أكثر من خمسين عامًا، حين كانت الحياة تعتمد على الوسائل التقليدية البسيطة قبل عصر النفط والتقنيات الحديثة.
واليوم، ومع ما نعيشه من تطور ووفرة في وسائل حفظ الطعام والتبريد، نستذكر تلك الأيام بكل تقدير واعتزاز، ونحمد الله سبحانه وتعى على ما أنعم به على بلادنا من خير ورخاء وأمن واستقرار، في ظل القيادة الحكيمة للمملكة العربية السعودية.
رحم الله الآباء والأجداد الذين عاشوا تلك الأيام بصبر وكفاح، وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ـ حفظهما الله ـ لما يبذلانه من جهود عظيمة في نهضة الوطن وازدهاره.
واليوم أصبحت الثلاجات والبرادات الحديثة تغني عن تلك الطرق القديمة، لكن تبقى “المشرشر” حكاية من تراثنا الشعبي، وذكرى جميلة تختزن عبق الماضي وأصالته.



