التصلب اللويحي… حين تتحول الحياة إلى معركة بلا هدنة”

فاطمة إبراهيم البلوي
ليس أشدَّ قسوةً على الإنسان من أن يستيقظ ذات يومٍ ليجد أن العدوَّ الذي يخشاه لا يسكن خارج أسواره، بل يسكن داخله…
ذلك هو التصلب اللويحي.
ذلك المرض الذي لا يكتفي بإنهاك الجسد..
بل يمتدُّ إلى الروح فيعبث بأمانها..
ويقتات على طمأنينتها..
ويترك صاحبَه معلقًا بين ما كان عليه بالأمس، وما صار إليه اليوم..
إنه ليس مرضًا يُصيب الأعصاب فحسب..بل زلزالٌ يهدم تفاصيل الحياة حجرًا حجرًا…
يبدأ خفيًّا كهمسةٍ عابرة..
ثم لا يلبث أن يتحول إلى سارقٍ محترف، يسرق من الإنسان أشياءه الثمينة دون أن يشعر..
يسرق خطواته الواثقة..
وقوة يديه..
وصفاء بصره..
واتزان جسده..
وأمنه النفسي..
ثم يمضي غير مكترثٍ بما خلّفه من خراب…
وما أشدَّ مرارة أن تعيش وأنت لا تعلم متى يهجم عليك…
فالهجمة لا تعرف رحمة..
لا تراعي موعدًا..
ولا مناسبةً..
ولا ظرفًا نفسيًّا أو صحيًّا..
قد تأتيك في أكثر أيامك هدوءًا، فتقلبها جحيمًا..
وقد تزورك في لحظةٍ ظننت فيها أنك بدأت تتعافى، فتُعيدك إلى نقطة الصفر وكأن كل ما قاومته كان وهمًا…
تستيقظ يومًا فلا تستجيب يدك كما كانت..
ويومًا تتعثر قدماك وكأنك تتعلم المشي من جديد..
ويومًا يضطرب بصرك فتغدو الأشياء التي اعتدت رؤيتها ضبابًا مبهمًا..
ويومًا يتسلل إلى أذنيك فيشوّه الأصوات ويبعثر توازنك..
ثم لا يكتفي بذلك…
بل يمتد إلى أكثر مواضع الإنسان خصوصيةً وحساسيةً..
إلى المثانة..
إلى الإخراج..
إلى تفاصيل يخجل المرء من البوح بها…
تفاصيل لا يعلم الناس كم تُسقط من كبرياء الإنسان كل يوم..
كم هو موجع أن يحتاج المرء إلى شرح أمورٍ يستحي من ذكرها..
وكم هو قاسٍ أن يشعر بالعجز أمام وظائف جسده الأساسية..
وكم هي مهينة تلك اللحظات التي يدرك يها المريض أن جسده لم يعد يطيعه كما كان..
هنالك لا يكون الألم جسديًّا فحسب…
بل يتحول إلى انكسارٍ خفي..
إلى جرحٍ في الكرامة لا يراه أحد.
إلى شعورٍ ثقيل بأن شيئًا من استقلالك يُنتزع منك قسرًا..
ثم تأتي معركةٌ أخرى لا تقلُّ فظاعةً عن المرض نفسه…
معركة الفهم المفقود..
فكم من مريضٍ ابتلع ألمه حين قيل له:
“أنت تبدو بخير.”
وكأن المأساة لا تُصدق إلا إذا ظهرت على الوجه..
وكأن الأعصاب المحترقة يجب أن تكون مرئيةً للعيان حتى يعترف الناس بوجودها..
وكم من مرةٍ اضطر المريض إلى التزام الصمت لأنه أدرك أن الشرح لن يُجدي…
فبعض الناس لا يفهمون إلا ما يرونه..
أما الأوجاع التي تنخر الأعصاب والروح معًا فلا مكان لها في مقاييسهم الضيقة…
ولذلك نميل إلى العزلة..
لا تكبرًا..
ولا جفاءً..
ولا كراهيةً لأحد..
بل لأننا منهكون…
منهكون إلى الحد الذي يجعل الحديث عبئًا..
والنقاش معركةً إضافية..
والاختلاط بالناس استنزافًا لما تبقى من قوة..
أحيانًا نصمت لأننا لا نملك طاقة الدفاع عن أنفسنا..
ولا طاقة شرح ما نشعر به..
ولا طاقة الدخول في جدالٍ لإثبات أن وجعنا حقيقي..
حتى حين نُظلم…
نصمت..
ليس اقتناعًا بالظلم..
بل لأننا نعلم أن معركتنا الحقيقية تدور في مكانٍ آخر..
داخل هذا الجسد الذي تحوّل إلى ساحة حرب…
لقد غيّرنا المرض…
سرق منّا أشياء كثيرة..
سرق العفوية..
وسرق الطمأنينة..
وسرق القدرة على التخطيط البعيد..
وسرق ذلك الشعور البسيط بالأمان الذي كان يرافقنا دون أن نشعر بقيمته..
وأقسى ما سرقه…
نسختنا القديمة…
تلك النسخة التي كانت تتحرك بلا خوف..
وتنام بلا قلق..
وتستيقظ دون أن تتساءل:
أيُّ جزءٍ من جسدي سيخذلني اليوم؟
نحن لا نخشى الألم وحده..
بل نخشى المجهول الذي يحمله الغد..
نخشى الهجمة القادمة.
نخشى الخسارة القادمة..
نخشى أن نستيقظ يومًا فنجد أن المرض قد انتزع منا قدرةً جديدة لم نكن مستعدين لفقدانها..
ومع ذلك…
نواصل السير..
لا لأننا أقوياء دائمًا..
بل لأننا لا نملك خيارًا آخر…
نمضي بأرواحٍ مثقلة..
وقلوبٍ أرهقها الانتظار..
وأجسادٍ تخوض حربًا لا هدنة فيها..
نمضي ونحن نحمل داخلنا حزنًا لا تراه العيون..
حزنًا على أنفسنا القديمة…
وحزنًا على أحلامٍ تأجلت…
وحزنًا على حياةٍ سرق المرض منها كثيرًا من البهجة…
فيا أيها العالم..
رفقًا بمن يقاتلون أجسادهم كل يوم..
رفقًا بمن يبتسمون بينما الأعصاب تشتعل في داخلهم..
رفقًا بمن يبدون بخير، بينما أرواحهم تُستنزف بصمت..
فنحن مرضى التصلب اللويحي…
أصحاب معركةٍ لا تنتهي..
نحمل أوجاعنا في صمتٍ ثقيل..
ونخفي انكساراتنا خلف
وجوهٍ هادئة..
ونمضي في الحياة بأقدامٍ مرتجفة وأرواحٍ متعبة…
ننتظر رحمة الله، بينما نحاول كل يومٍ ألّا نسقط…



