المنهج القرآني لمواجهة مخاطر التكنولوجيا والإعلام المضلل
حيرة البابا بين الذكاء الاصطناعي والقيم الانسانية

د. عبد العظيم نور الدين الحسن
أكد البابا فرنسيس، في تصريحات نشرتها «وول ستريت جورنال»، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل تحول إلى تحدٍ وجودي يهدد الكرامة البشرية، حيث يُعاد تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة والربح والحرب. وأوضح أن هذه التقنيات ليست محايدة، بل تحمل قيم ومصالح الجهات التي تمولها وتطورها، مما أدى إلى تفشي التضليل، وإضعاف قدرة الإنسان على التفكير المستقل والحكم الأخلاقي. ودعا البابا إلى نقل الملف من النطاق التقني إلى مستوى الواجب الديني والأخلاقي، وضرورة وضع أطر قانونية صارمة ورقابة مستقلة وتنظيم دولي.
إن هذه الدعوة تتطابق تمامًا مع ما قرره المنهج القرآني، وتبلوره نظرية الاتصال الحصيف، التي تقدم الإطار الفكري والقانوني والأخلاقي الكامل لحماية المجتمعات من الانهيار، وضمان أن تكون التكنولوجيا والإعلام في خدمة الإنسان وكرامته، وليس العكس.
. مبدأ المساءلة والمراقبة
الآية: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]
– المعنى: كل كلمة، كل رسالة، كل بيانات، وكل خوارزمية تُصمم أو تُنشر — هي «أقوال» و«أفعال» بشرية مسجلة ومحسوبة، ولا وجود لما يسمى أداة محايدة بلا مسؤولية.
– الربط بالواقع:
تعالح هذه الآية ما أشار إليه البابا بأن التقنيات تحمل قيمًا ومصالح. فالذكاء الاصطناعي ليس كيانًا مستقلاً، بل هو نتاج قرارات بشرية. وبناءً على هذا المبدأ يجب فرض الرقابة والمساءلة على كل من يصمم أو يمول: أو يدير منصات إعلامية أو تقنيات ذكاء اصطناعي ولا حصانة لأي تقنية أو شركة تتسبب في تضليل أو إلحاق ضرر بكرامة الإنسان. ووضع قوانين دولية واضحة تحدد المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل محتوى أو تقنية تُطرح للجمهور…
. مبدأ التحقق وضمان المصداقية
الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
– المعنى: المصدر والوسيط ليسا محايدين، فقد يكونان غير أمينين أو يحملان أجندة خاصة. لذا فالواجب الأخلاقي هو التبين والتحقق قبل قبول أي معلومة أو التعامل مع أي تقنية.
– الربط بالواقع:
تعالج هذه الآية جوهر مشكلة «التضليل الإعلامي» التي حذر منها البابا اليوم ، وتقدم الحل الجذري::
1/ رفض مبدأ «الوسيلة هي الرسالة» (ماكلوهان)، والعودة إلى معيار المحتوى والمصداقية والأمانة.
2/ تنمية قدرة المتلقي على التفكير النقدي، وعدم تلقي المعلومات جاهزة أو مسلّم بها.
3/ اشتراط الشفافية في مصادر البيانات والمعلومات التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي.
– 4/ سن تشريعات تجرم نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة، وتلزم المنصات بتوضيح مصادر المحتوى وآلية عمل الخوارزميات.
. مبدأ حماية الكرامة والخصوصية
الآية: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]
– المعنى: للإنسان حرمة وكرامة أصيلة، فلا يجوز اختراق خصوصيته، ولا تتبع أسراره، ولا نشر عيوبه أو تشويه صورته.
– الربط بالواقع: تضع هذه الآية الحد الفاصل بين الاستخدام المشروع للتقنية وبين «منطق الهيمنة» الذي وصفه البابا ويكمت الحل في::
1/ تحريم استخدام الذكاء الاصطناعي في التجسس، جمع البيانات الشخصية: بلا إذن، أو توظيفها للسيطرة والتحكم.
2/ تحريم استخدام الإعلام في التشويه، النميمة، أو هدم السمعة، وهو ما يمارسه «الإعلام المسطح» المعاصر.
3/ اعتبار الخصوصية حقًا إنسانيًا مقدسًا يجب أن تحميه القوانين والأخلاق قبل التقنية.
– 4/ وضع معايير عالمية صارمة لحماية البيانات، وتجريم توظيف التقنيات في انتهاك حرمة الحياة الخاصة للأفراد والمجتمعات.
مبدأ احترام الخطاب والقيم المشتركة
﴿وَلَا تَنَابَذُوا بِالْأَلْقَابِ ۚ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]
– المعنى: الألفاظ والرسائل تشكل وعي الناس وهوياتهم. فلا يجوز استخدام لغة تقلل من قيمة الإنسان، أو تفرق بينه، أو تصنفه بناءً على أهواء أو مصالح، لأن ذلك هدم للكرامة وللنسيج الاجتماعي.
– الربط بالواقع: يواجه البابا خطر إعادة تشكيل العالم وفق قيم الربح والقوة، وهنا يأتي المنهج القرآني ليقول: :
يجب أن يكون الخطاب الإعلامي والرقمي شاملًا، محترمًا، وبنّاءً1/ .
رفض كل محتوى أو تقنية تُعزز العنصرية، الطبقية، أو الصور النمطية السلبية.
2/ الالتزام بلغة تُظهر القيم المشتركة والإنسانية الجامعة، بدلاً من لغة الهيمنة والوصم.
– 3/ وضع مدونات سلوك أخلاقية ملزمة لوسائل الإعلام ومطوري التقنيات، تمنع استخدام اللغة والرموز التي تسيء أو تفرق.
مبدأ اليقين وتجنب الظن
الآية: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]
– المعنى: الحكم والمعلومة يجب أن يُبنيا على حقيقة واضحة، لا على تخمين، افتراض، أو ظن. والبناء على الظن يؤدي إلى الكذب، الظلم، وتشويه الحقائق.
– الربط بالواقع: هذه الآية تعالج عيبًا جوهريًا في الذكاء الاصطناعي الحديث، وسبباً رئيسياً في انتشار التضليل. فالذكاء الاصطناعي يعتمد غالبًا على «الاحتمالات والتنبؤات» التي تُعرض كحقائق، وهذا هو عين «الظن» المحرم التضليل الإعلامي يقوم على بناء روايات كاملة على شائعات أو افتراضات غير مؤكدة. ومعالجة ذلك يكون بالآتي::
1/ الحفاظ على قدرة الإنسان على «الحكم الأخلاقي» تتطلب أن تتلقى عقله حقائق لا تخمينات.
– 2/ إلزام تقنيات الذكاء الاصطناعي بالوضوح، وعدم تقديم الاستنتاجات المبنية على احتمالات وكأنها حقائق، واشتراط الدقة والموضوعية في المحتوى الإعلامي.
مبدأ الحوكمة والتنظيم المحكم
الآية: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]
– المعنى: النموذج المثالي للاتصال والتنظيم هو ما كان محكمًا (لا ثغرات فيه، يحقق الغاية)، مفصلاً (واضحًا، مفهومًا)، وصادرًا عن حكمة وعلم تخدم مصلحة المتلقي، وليس مصلحة المسيطر.
– الربط بالواقع: هذه الآية هي الإجابة المباشرة على دعوة البابا لـ «أطر قانونية صارمة وتنظيم دولي. ويشترط في ذاك:»:
1/ التنظيم المطلوب يجب أن يكون منظومة متكاملة («أحكمت») تغطي جميع الجوانب، ولا تترك مجالاً للتلاعب .
2/ يجب أن يكون واضحًا ومفصلًا («فصلت») ليكون ملزمًا ومطبقًا.
الهدف الأسمى منه هو تحقيق مصلحة الإنسان وكرامته، انطلاقًا من رؤية حكيمة وعلمية («من لدن حكيم خبير»).
– 3/ : بناء إطار قانوني وأخلاقي دولي موحد، يرتقي بالتعامل مع التكنولوجيا والإعلام إلى مستوى «الواجب» الذي يحمي القيم، ويمنع انزلاق المجتمعات نحو الانهيار.
وأخيراً ما حذر منه البابا فرنسيس هو نتيجة حتمية لانفصال التكنولوجيا والإعلام عن القيم والضوابط الأخلاقية. المستمدة من هذه الآيات الكريمة، تقدم المخرج الآمن، حيث تؤكد أن الوسيلة تابعة للغاية، والقيمة في المحتوى والمصدر، والإنسان هو الغاية التي يجب أن تخدمها كل تقنية وكل رسالة بهذا المنهج وحده نضمن أن يبقى الذكاء الاصطناعي والإعلام أدوات رقي وهداية، لا وسائل هيمنة وتضليل، ونحمي كرامة الإنسان التي هي أمانة الله في الأرض.:.



