رُقِيّ الأخلاق.. هو سِرّ جاذبية الإنسان التي غفل عنها نيوتن

 

بقلم الكاتبة / د. وسيلة محمود الحلبي

اكتشف نيوتن قانون الجاذبية حين سقطت التفاحة، ففسّر لنا لماذا تنجذب الأجسام إلى الأرض، لكنه لم يخبرنا عن نوع آخر من الجاذبية أكثر قوة وتأثيرًا،

جاذبية لا تُرى بالعين ولا تُقاس بالأرقام والمعادلات، لكنها قادرة على أسر القلوب وفتح الأبواب وصناعة الذكر الجميل.

إنها جاذبية الأخلاق.

فكم من إنسان لا يملك جمالًا لافتًا ولا منصبًا مرموقًا ولا ثروةً طائلة، ومع ذلك ينجذب إليه الناس كما ينجذب النحل والفراشات إلى الأزهار وضوء الشمس. وكم من شخص يملك كل مقومات النجاح الظاهر، لكنه يفشل في كسب محبة الآخرين لأنه افتقد ذلك البريق الداخلي الذي اسمه الأخلاق.

الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن الناس قد ينبهرون بذكائك مرة، ويعجبون بإنجازاتك مرات، لكنهم لا يحبونك حقًا إلا بسبب أخلاقك.

الأخلاق ليست كلمات منمقة تُقال عند الحاجة، وليست قناعًا يُرتدى أمام الناس، بل هي معدن الإنسان الحقيقي عندما يغضب، وعندما يختلف، وعندما يملك القوة والقدرة على الرد والإساءة ثم يختار العفو والسمو.

في زمن أصبحت فيه المظاهر تتصدر المشهد، وضجيج الشهرة يطغى على جوهر الإنسان، باتت الأخلاق عملة نادرة تزداد قيمتها كلما قلّ وجودها. فالناس سئمت المتحدثين عن القيم، لكنها ما زالت تبحث بشغف عن الذين يجسدونها.

إن أكثر الأشخاص تأثيرًا في حياتنا ليسوا بالضرورة الأكثر علمًا أو ثراءً أو شهرة، بل أولئك الذين تركوا في أرواحنا أثرًا طيبًا، وذكريات دافئة، ومواقف نبيلة لا تُنسى.

فالابتسامة الصادقة، والكلمة اللطيفة، واحترام الآخرين، والوفاء، والتواضع، والرحمة… كلها أشكال من الجاذبية الإنسانية التي لا تخضع لقوانين الفيزياء، لكنها تحكم عالم القلوب بلا منازع

ولعل أجمل ما في الأخلاق أنها لا تحتاج إلى مالٍ لتنفقه، ولا إلى شهادةٍ لتحصل عليها، ولا إلى منصبٍ لتُمارسها. إنها قرار يومي بأن تكون إنسانًا أجمل من ظروفك، وأرقى من استفزازات الآخرين، وأكبر من صغائر الأمور.

لذلك، إذا أردت أن تعرف سرّ الأشخاص الذين لا يغيبون عن الذاكرة، ولا يرحلون من القلوب مهما ابتعدوا، فابحث عن أخلاقهم قبل أن تبحث عن ملامحهم.

فالجمال قد يلفت الأنظار، والنجاح قد يثير الإعجاب، أما رُقيّ الأخلاق فهو وحده القادر على صناعة المحبة الخالدة.

وهكذا يبقى قانون الجاذبية الأشهر في الكون لنيوتن،

لكن قانون الجاذبية الأعظم

في الحياة سيظل دائمًا…

حُسن الخُلق.

كاتبة. مستشار إعلامي

ناشطة إعلامية

مسؤول الإعلام والنشر بجمعية كيان للأيتام ذوي الظروف الخاصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى