حين ترحل الأرواح الجميلة

فاطمة إبراهيم البلوي تبوك
بعضُ الراحلين لا يأخذهم الموت وحدهم..
بل يأخذ معهم شيئًا من الضوء الذي اعتدناه..
وشيئًا من الطمأنينة التي كانت تسكن حضورهم..
وشيئًا من الجمال الذي ألفناه في كلماتهم ومواقفهم..
وهكذا كان وقع رحيل الدكتورة عائشة الحكمي…
خبرٌ مرّ على القلوب مثقلًا بالحزن..
كأن المشهد الثقافي فقد أحد مصابيحه التي طالما أضاءت دروب المعرفة..
وكأن الكلمة فقدت صوتًا كان يمنحها دفئها وعمقها وألقها..
رحلت الجسد، وبقي الأثر…
بقيت تلك السيرة التي ازدانت بالعلم والعطاء..
وبقيت الصفحات التي خطتها بفكرها..
وبقيت الذكريات التي تركتها في قلوب من عرفوها،أو التقوا بها،أو وجدوا في كلماتها نافذةً نحو أفقٍ أرحب..
لم تكن ممن يمرون في الحياة مرورًا عابرًا..
بل كانت من أولئك الذين يزرعون أثرهم بهدوء، ثم يمضون تاركين خلفهم حقولًا من الامتنان..
كانت تؤمن بالكلمة، وتمنحها من روحها ما يجعلها قادرة على الوصول إلى القلوب قبل العقول..
وتؤمن بالإنسان، فتفتح للمواهب أبواب الأمل، وتمنح أصحاب الأحلام الصغيرة شيئًا من الثقة ليواصلوا السير..
كم من موهبةٍ وجدت في تشجيعها بداية طريق…
وكم من قلمٍ ازداد يقينًا بنفسه بعد كلمةٍ صادقة منها…
وكم من فكرةٍ نمت وازدهرت لأنها وجدت منها احتواءً وإيمانًا..
وكان للعطاء في حياتها حضورٌ لا يخفى، فحيث تكون المبادرات الثقافية والأنشطة المجتمعية، كان لروحها نصيبٌ من المشاركة والدعم، وكأنها كانت تدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه، بل بما يتركه من أثرٍ في حياة الآخرين..
واليوم…
يرحل الاسم عن الدنيا، لكن الأثر يبقى..
وتغيب الملامح عن العيون، لكن الذكرى تظل مقيمةً في القلوب..
ويصمت الصوت، لكن ما زرعه من خيرٍ وعلمٍ ومحبةٍ يظل يتحدث عنه في كل مكان..
رحم الله الدكتورة عائشة الحكمي رحمةً واسعة، رحمةً تليق بقلبٍ أحب العلم، وخدم الثقافة، وساند الموهوبين، ومدّ يده بالعطاء حيثما استطاع.
نسأل الله أن يجعل ما قدمته من علمٍ نافع، وكلمةٍ صادقة، وعملٍ مخلص، نورًا يضيء قبرها، ورفعةً لها في درجات الجنة، وأن يجزيها عن كل أثرٍ جميلٍ تركته خير الجزاء.
فبعضُ الغياب لا يُعوَّض…
وبعضُ الأسماء حين ترح
تترك في المكان فراغًا …



