وجهات النظر ليست ساحة صراع

كاتبة راي – ايمان المغربي
حين نحترم اختلاف الراي نمنح الحوار فرصة ليكون جسر للفهم لا ساحة للانتصار
ليس الاختلاف هو ما يفسد الحوارات بل الطريقة التي نتعامل بها معه فحين نفقد القدرة على التفريق بين الفكرة وصاحبها يتحول الحوار من مساحة للفهم الى ساحة للدفاع والهجوم ويصبح الانتصار للراي اهم من الوصول الى الحقيقة
وجهة النظر ليست معركة يجب ان ينتصر فيها طرف ويخسر الاخر وليست حكم نهائي على الاشخاص او القناعات وانما هي انعكاس لتجربة انسانية تشكلت عبر سنوات من المواقف والظروف والمعارف التي مر بها الانسان فما يراه شخص حقيقة من زاويته قد يراه اخر بصورة مختلفة من زاوية اخرى وليس في ذلك ما يعيب ايا منهما
تكمن المشكلة حين ينتقل الحوار من مناقشة الفكرة الى محاكمة صاحبها وحين يصبح الهدف اثبات الخطا بدل من البحث عن الفهم عندها يفقد النقاش قيمته الفكرية ويتحول الى ردود افعال عاطفية لا تنتج وعيا ولا تبني جسور للتواصل
ومن المؤسف ان بعض الناس يستقبلون الراي المختلف وكانه استهداف مباشر لهم في حين يطرح اخرون اراءهم بحدة تجعل الحوار اقرب الى المواجهة منه الى التفاهم وفي الحالتين يغيب المعنى الحقيقي للحوار ويعلو الصوت على الفكرة
ان الوعي الحقيقي لا يظهر عندما نتفق بل عندما نختلف باحترام فالرقي الفكري لا يقاس بقدرتنا على الدفاع عن ارائنا فحسب بل بقدرتنا على الاستماع ايضا فالانسان الواعي يدرك ان اختلاف الاراء لا ينتقص من مكانته وان قبول وجود راي اخر لا يعني التخلي عن قناعته
ولعل من اكبر الاخطاء ان نظن ان تشابه الاراء هو الطريق الوحيد للانسجام فالبشر لم يخلقوا نسخ متطابقة وانما خلق لكل منهم تجربته وفهمه وطريقته في النظر الى الامور ولذلك كان الاختلاف امرا طبيعي لا يحتاج الى رفض بقدر ما يحتاج الى وعي في التعامل مع
لكل انسان نافذته التي يرى منها العالم وكل نافذة تكشف جزء من المشهد لا المشهد كله وربما تكمن الحكمة في ان الحقيقة الكاملة لا تسكن زاوية واحدة فكل انسان يحمل جزء من الصورة تشكل عبر رحلته الخاصة وما نراه بوضوح قد يغيب عن غيرنا وما يغيب عنا قد يراه الاخر جليا لذلك فان الانصات للراي المختلف ليس تنازل عن قناعاتنا بل اتساع في افق رؤيتنا ونضج في فهمنا للحياة
وحين نتعلم الفصل بين الفكرة وصاحبها ونرد على المعنى لا على الشخص يصبح الحوار اكثر عمق واتزان فالكلمات التي تقال باحترام تفتح ابواب الفهم اما الكلمات التي تقال بدافع الانتصار فتغلقها
ان المجتمعات الواعية لا تبنى باتفاق الجميع على راي واحد وانما بقدرتهم على ادارة اختلافهم بادب واحترام وعندما ندرك ان وجهات النظر وجدت لتوسيع مداركنا لا لتقسيمنا يصبح الحوار وسيلة لبناء الوعي لا ساحة للصراع
فليست قيمة الانسان في ان يجد من يشبهه في التفكير بل في قدرته على احترام من يختلف معه وعندها فقط يتحول الاختلاف من عبء على العلاقات الى قيمة تثريها ومن نقطة خلاف الى مساحة ارحب للفهم والنضج الانساني



