حين تسبق الأحلامُ الواقعَ بخطوة. (7 Dogs)

بقلم/ حصــــة الزهراني

في ليلةٍ من ليالي الصيف اللطيفة، اتفق أعضاء جمعية كولاج على حضور فيلم «7 Dogs»، وبالفعل اجتمعنا لنشهد عملاً سينمائياً طال الحديث عنه، هذه التجربة التي سأرويها اليوم بكل فخر، وبكل إيمان بأن القادم أجمل.

أكتب هذه السطور وأنا على يقين بأن ما نراه اليوم ليس سوى بداية الطريقٍ، طريقٌ رسمت ملامحه رؤية وطنٍ طموح يقوده سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – برؤية استثنائية نقلت المملكة من مرحلة التطلعات إلى مرحلة صناعة الممكن.

ولأنني أؤمن بقدراتنا البشرية والمادية، وبالطاقات السعودية التي أثبتت أنها قادرة على المنافسة عالمياً، فإنني أرى في هذا العمل خطوة مهمة ضمن مسيرة صناعة سينمائية وطنية واعدة. كما لا يمكن الحديث عن هذا المشروع دون الإشارة إلى المستشار تركي آل الشيخ، الذي يمتلك قدرة استثنائية على كسر الحواجز، وتجاوز المألوف، وتحويل الأفكار الكبيرة إلى مشاريع واقعية تخدم الوطن وتعزز حضوره الثقافي والإبداعي.

فالفنون، كما يعلم الجميع، ليست ترفاً ثقافياً عابراً، بل إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تصوغ الصورة الذهنية للأمم، وتحكي قصصها للعالم بلغةٍ تتجاوز الحدود والجغرافيا؛ لغة الصورة والإبداع.

وعند مشاهدة فيلم «7 Dogs»، لا يمكن إغفال حجم الجهد المبذول فيه على مستوى الإنتاج والإخراج والتصوير والمؤثرات البصرية. فقد بدا العمل أقرب إلى الإنتاجات العالمية من حيث الإمكانات التقنية، وجرأة التنفيذ، واتساع الرؤية البصرية. وكانت مشاهد الأكشن مصاغة بإتقان، فيما عكست جودة الصورة والتقنيات المستخدمة مرحلة جديدة من النضج في الصناعة السينمائية العربية.

ومع كل هذا الإبهار البصري، يبقى من الإنصاف القول إن الفكرة الدرامية لم تكن بالقوة ذاتها التي ظهر بها الجانب الفني والتقني. فالنص بدا في بعض محطاته أقل عمقاً من حجم الإمكانات التي وُضعت بين يديه، ولم يرتقِ دائماً إلى مستوى التوقعات التي سبقت عرض الفيلم.

غير أنني لا أرى في ذلك مأخذاً بقدر ما أراه مؤشراً طبيعياً لبدايات المشاريع الكبرى. فالصناعات العظيمة لا تولد مكتملة، وإنما تنمو بالتجربة، وتتطور بالمحاولات، وتبلغ النضج عبر تراكم الإنجازات. وما نشهده اليوم يشبه وضع حجر الأساس لصرحٍ كبير؛ قد لا تكتمل تفاصيله من المرة الأولى، لكنه يؤسس لمستقبل أكثر إشراقاً.

ولعلّ من أجمل ما خرجتُ به من تلك الأمسية، ليس الفيلم وحده، بل الحوار الذي دار بعده. فقد جاءت آراء أعضاء جمعية كولاج متباينة إلى حدٍّ لافت؛ فمنهم من انبهر بالجانب البصري والإنتاجي، ومنهم من توقّف عند بعض الملاحظات الدرامية، ومنهم من رأى أن العمل خطوة تاريخية تستحق الاحتفاء.

وفي الحقيقة، كان هذا الاختلاف في حد ذاته مشهداً جميلاً؛ لأن الأعمال الحية هي تلك التي تثير الأسئلة، وتفتح أبواب النقاش، وتمنح كل مشاهد نافذته الخاصة التي يرى من خلالها العمل.

وما زلت أتذكر مداخلة أحد الأعضاء، حين تساءل باستغراب:
«أين المرأة السعودية؟ ولماذا لم يكن لها حضور في هذا العمل؟»

للوهلة الأولى بدا السؤال عابراً، لكنه دفعني إلى مساحةٍ واسعة من التأمل. شرَدتُ قليلاً وأنا أستعيد سنواتٍ ليست ببعيدة، كانت فيها المرأة مستبعدة، فإذا بنا اليوم ننتقل إلى سؤال مختلف تماماً: لماذا لم تكن المرأة السعودية حاضرة هنا؟ وأين موقعها من هذا المشهد؟

يا لها من نقلةٍ هائلة في الوعي والتفكير.

لم يعد الحديث يدور حول إمكانية المشاركة، بل حول حجم المشاركة. لم نعد نسأل: هل تستطيع المرأة السعودية أن تكون جزءاً من المشهد؟ بل أصبحنا نسأل: لماذا لم تكن في مقدمة المشهد؟

هذا التحول في حد ذاته قصة نجاح تستحق أن تُروى.

لقد أصبحت المرأة السعودية حاضرة في الإعلام والثقافة والفنون والاقتصاد والرياضة والسياسة، وأثبتت أنها شريك أصيل في صناعة التحولات الكبرى التي يشهدها الوطن. ولذلك بدا السؤال مشروعاً ومهماً؛ لأنه يعكس حجم التوقعات التي بات المجتمع يضعها أمام الكفاءات النسائية السعودية، ويعكس أيضاً إيماننا العميق بأن لدينا طاقات قادرة على الوقوف أمام الكاميرا وخلفها؛ كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً وإنتاجاً.

وربما كانت هذه الملاحظة واحدة من أجمل الرسائل غير المباشرة التي حملها الفيلم. فعندما يبدأ الجمهور بالمطالبة بحضور أكبر للمرأة السعودية في الأعمال الضخمة، فهذا يعني أن حضورها أصبح أمراً بديهياً ومتوقعاً، لا استثناءً ولا مطلباً استثنائياً.

ولهذا، فإنني أنظر إلى هذه الملاحظة بعين التفاؤل لا بعين النقد. فكما أن صناعة السينما السعودية ما زالت تخطو خطواتها المتسارعة نحو العالمية، فإن حضور المرأة السعودية فيها مرشح لأن يكون أكثر اتساعاً وتأثيراً في السنوات المقبلة.

لقد خرجت من قاعة السينما وأنا أفكر في أمرٍ آخر أيضاً؛ أن نجاح «7 Dogs» الحقيقي لا يكمن فقط في عدد التذاكر المباعة، ولا في الضجة الإعلامية التي رافقته، بل في كونه استطاع أن يجعلنا نتحدث عن السينما بوصفها صناعة وطنية، وعن النصوص والتمثيل والإخراج وحضور المرأة ومستقبل الفن السعودي.

وهنا يكمن الفرق.

فحين يصبح النقاش حول جودة العمل لا حول وجود العمل نفسه، فإننا نكون قد قطعنا شوطاً بعيداً في رحلة البناء.

لقد كانت هناك فترة ليست ببعيدة كنا نتساءل فيها: هل يمكن أن تكون لدينا صناعة سينمائية سعودية؟ أما اليوم فنحن نتساءل: كيف نجعلها أفضل؟ وكيف ننافس عالمياً؟ وكيف نمنح المبدعين السعوديين مساحة أوسع للحضور والتأثير؟

وهذا بحد ذاته إنجاز.

إن «7 Dogs» ليس فيلماً كاملاً، ولا يدّعي الكمال، لكنه عملٌ شجاع حمل على عاتقه مسؤولية التأسيس، والتأسيس دائماً هو المرحلة الأصعب. فمن السهل أن تأتي بعد نجاح التجربة، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن تكون من أوائل من يطرقون الباب.

لهذا خرجت من تلك الأمسية وأنا أكثر تفاؤلاً مما كنت قبل دخولها. ليس لأن الفيلم كان مثالياً، بل لأنه أكد لي أن الطريق الذي نسير فيه هو الطريق الصحيح.

فالأوطان الكبرى لا تُبنى بإنجاز واحد، ولا يكتمل مشروعها الثقافي في عمل واحد، بل تتشكل ملامحها عبر تراكم النجاحات والتجارب والتحديات. وكل تجربة جديدة تفتح الباب لتجربة أجمل، وكل سؤال يُطرح اليوم قد يكون مشروع إجابة عظيمة في الغد.

وما بين البدايات الواعدة والطموحات الكبيرة، يبقى يقيني ثابتاً بأن القادم أجمل؛ لأن هذا الوطن اعتاد أن يحوّل الأحلام إلى واقع، والطموحات إلى منجزات، والتحديات إلى قصص نجاح تُروى للعالم.

وإذا كان «7 Dogs» هو إحدى البدايات، فإن المستقبل – بإذن الله – يحمل فصولاً أكثر نضجاً، ونصوصاً أكثر عمقاً، وحضوراً سعودياً أكثر اتساعاً، وأعمالاً تليق بحجم وطنٍ لا يعرف إلا التقدم.
وأخيراً اقول :
أن الأحلام الكبيرة لا تبدأ كاملة… لكنها تبدأ مؤمنةً بأنها ستصل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى