من يد الكريم بلسم الصيف على جبين الكادحين

بقلم: ديمة الشريف

تتعامد أشعة الشمس في كبد السماء، فتغدو الأرض تنوراً مستعراً يقذف بالفحم والشرار. في تلك اللحظات القاحلة، نلوذ نحن بظلال البيوت، نحتمي بجدرانها، ونبسط أيدينا نحو أجهزة التكيف، نتحكم في برودتها نقرةً بعد نقرة، ونتذمر صخباً إن نالنا من القيظ طائف أو مسَّنا من الهجير نَفَس. ننسى في غمرة النعمة أن خلف تلك النوافذ الزجاجية المظللة، عالماً آخر يغلي على مرجل الصبر.

هناك، تحت سياط الهجير المباشرة، تقف قاماتٌ سمر. 

عمالٌ صنعت الشمس من جلودهم دروعاً، ومن سواعدهم جسوراً لنهضتنا. 

يمسح أحدهم عرقاً يتصبب من جبينه كما يتصبب الماء من القِربة، ويزفر زفرةً لو خُلطت بالهواء لأحرقته. 

عمال النظافة الذين يكنسون هجير الطرقات، وبناة الشواهق الذين يطوعون الحديد المستعر، ورجال المحطات الواقفون وسط لهيب الإسفلت. 

هؤلاء لا يملكون ترف “التحكم في البرودة”، بل يملكون فقط قلوباً راضية، وأجساداً نخرها التعب، ونفوساً تترقب قطرة ندى.

وفي ذروة هذا المشهد القاسي، تبرق لفتةٌ إنسانية حانية تختزلها كلمات الكاتبة ديمة الشريف: “الآيس كريم من يد الكريم”. 

إنها ليست مجرد فكرة عابرة، بل هي نبض من روح الشريعة، ونفحة من قيم الإنسانية؛ أن تشتري كراتين من المثلجات، وتقرنها بعبوات الماء البارد، ثم تخرج بها ميمماً وجهك شطر تلك السواعد الكادحة.

حين تمتد يدك بالآيس كريم البارد إلى عاملٍ يلفحه الصيف، أنت لا تطعمه حلوى، بل تسكب في جوفه برداً وسلاماً. 

إنك تطفئ غيظ قلبه، وتهدئ روع جسده المنهك. تلك الابتسامة الممتزجة بالدهشة والشكر التي ترتسم على وجهه المثقل بالغبار، هي أعظم أجرٍ وأجمل شكر. 

في تلك اللحظة، تلتقي كفّ العطاء بكفّ الكفاح، ويزول الفارق الطبقي، وتتجلى الأخوة البشرية في أبهى صورها.

ما أجمل العطاء حين يبرد عظام الأحياء! وما أعظم أثره حين يمتد كالدعاء الطاهر ليدثر عظام الموتى: “برد الله عظامك وعظم موتانا وموتى المسلمين”. 

هي دعوة تستنزل رحمات السماء، لتجعل من طعام الصيف البارد ظلاً ظليلاً لأرواحٍ رحلت، وسلاماً لأجسادٍ تحت التراب تنتظر من يخلفها بصالح العمل.

إن إطفاء حرارة القيظ عن كبدٍ رطبة هو أزكى الصدقات، وأقرب القربات إلى ربٍّ كريم يجزي على مثقال الذرة. 

فلنكن من أولئك الكرام، ولنجعل من الصيف مضماراً لسباق الرحمة، فالكريم هو من يرى حاجة أخيه في عزة نفسه، فيبادر بالندى قبل أن يجف الريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى