رحيل الأحبة

الكاتب: أنور الخلاوي
في أحد الأيام، كنت أجلس في غرفتي أحدث نفسي عن أولئك الذين رحلوا بعيدًا.
كان ذلك اليوم أول ذكرى مؤلمة لا تزال عالقة في ذهني؛ يوم كان والدي يرقد في المستشفى، بينما كنت صغيرًا لا أدرك حقيقة حالته. وبعد فترة، بدأ يتسلل إلى قلبي شعور بأن والدي قد ذهب إلى مكان جميل طالما تمنى الوصول إليه.
ولأنني كنت طفلًا، لم أكن أفهم معنى ذلك المكان، ولم أستوعب أن اسمه الموت، وأنه آخر محطة للفراق في هذه الدنيا.
كنت أعود إلى المنزل وأبكي بحرقة، وأعاتبه ببراءة طفلٍ فقد سندَه، مرددًا: “ماذا فعلت بي يا أبي؟ لماذا رحلت وتركتني أواجه وحدتي؟”
لم أعترض يومًا على قضاء الله وقدره، لكن الروح تتساءل دائمًا عن رحيل الأحبة.
واليوم، وقد أصبحت أكثر نضجًا، أدرك أن عليّ أن أقف ثابتًا، رغم وحدتي وانكساري. وما زالت ذكريات طفولتي المؤلمة تمر أمام عيني، وكيف وصلني خبر وفاة والدي.
لقد علّمني رحيل أبي أن أعتني بأمي بكل ما أملك من حب، خوفًا من أن أفقدها أيضًا، غير مدرك أن الحياة لا تدوم لأحد، وأن عجلة الموت لا تتوقف.
وعندما أشارت الساعة إلى الثالثة فجرًا، تلقيت اتصالًا من أخي يخبرني بأن أمي قد فارقت الحياة.
انطلقت إلى المستشفى بأقصى سرعة، وعندما وصلت وجدتها مغطاة بالكفن الأبيض.
في تلك اللحظة، سقطت على الأرض أبكي كما يبكي الأطفال. عاد المشهد نفسه، لكن هذه المرة كنت أكثر وعيًا ونضجًا. أدركت أن اللوم لن يغير شيئًا، وأن الاعتراض لا يعيد من نحب.
لقد كانت أمي أساس هذا البيت، وبرحيلها انهار كل شيء فوق رأسي، وانطفأت أنواره، فأصبح بيتًا موحشًا يغمره الظلام.
رحمكِ الله يا أمي، وأسأل الله أن يجمعني بكِ في جنات النعيم.
ما زال رحيلك أكبر مأساة في حياتي، وما زالت دموعي تنهمر كل يوم يمر دونك. في كل ساعة أحتاجك فيها، أناديك ولا أجد جوابًا.
أشتاق إليكِ يا أمي، وأعلم أنكِ لن تعودي أبدًا، لكنكِ ستبقين حاضرة في دعائي ما حييت.



