مجالسنا الرقمية.. تجمعنا الأسماء وتغيب صناعة الأثر

بقلم / سعود حماد العنزي
في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد المجالس تقتصر على مكان نجتمع فيه وجهاً لوجه، بل انتقلت إلى فضاء رقمي واسع، وأصبحت مجموعات الواتساب وغيرها من وسائل التواصل مجالس يومية تجمع العائلة والقبيلة والأصدقاء والزملاء وأبناء الأحياء والمجتمعات المهنية والتطوعية، وربما تضم المجموعة الواحدة مئات الأشخاص من مختلف الأعمار والتخصصات والخبرات.
لكن أمام هذا الحضور الكبير يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده:
ماذا نصنع بكل هذا الاجتماع؟
المتابع لكثير من مجموعاتنا الاجتماعية يلاحظ أن الصمت أصبح السمة الغالبة، فلا تتحرك بعض المجموعات إلا عند إعلان زواج أو مولود، أو خبر وفاة أو مرض، أو مناسبة اجتماعية عابرة، ثم تعود بعد ذلك إلى صمت طويل.
ولا شك أن مشاركة الناس أفراحهم ومواساتهم في أتراحهم من أجمل صور التكافل وصلة الرحم والوفاء، وهي قيم يجب المحافظة عليها وتعزيزها، لكن الإشكالية ليست في وجود هذه المناسبات، وإنما في اختزال دور مجالسنا الرقمية فيها فقط.
فهل يُعقل أن تضم مجموعة واحدة الطبيب والمعلم والمهندس والإعلامي ورجل الأعمال والأكاديمي والعسكري والموظف والمتقاعد والطالب وصاحب التجربة والخبرة، ثم تبقى كل هذه الطاقات حاضرة بالأسماء وغائبة بالأثر؟
إننا أمام ثروة بشرية ومعرفية هائلة، لكنها في كثير من الأحيان غير مستثمرة.
من مجموعات للتواصل إلى منصات للعطاء
مجالسنا الرقمية تستطيع أن تكون أكثر من مجرد مساحة لتبادل التهاني والتعازي. يمكن أن تتحول إلى منابر صغيرة للوعي والمعرفة، وحاضنات للمبادرات الاجتماعية، وجسور لنقل الخبرة بين الأجيال.
لماذا لا يكون هناك برنامج ثقافي أو معرفي دوري؟
لماذا لا نستضيف بين فترة وأخرى أحد المختصين ليقدم معلومة نافعة في مجاله؟
ولماذا لا تُقام مسابقات ثقافية ودينية وتاريخية، أو لقاءات اجتماعية، أو مبادرات تطوعية وخيرية، أو برامج تعزز القيم والانتماء والمسؤولية المجتمعية؟
بل يمكن لهذه المجالس أن تسهم في نشر فرص التدريب والتوظيف، والإرشاد المهني للطلاب والشباب، وتبادل الخبرات، والتعريف بالمبادرات الوطنية والمجتمعية، والتوعية بمخاطر المخدرات والاحتيال الإلكتروني والتنمر، وتعزيز الأمن الفكري والوعي الصحي والأسري والمالي.
كل ذلك يمكن أن يحدث برسالة أو مبادرة أو لقاء قصير، دون أن تفقد هذه المجالس طبيعتها الاجتماعية أو تتحول إلى مجموعات مزدحمة بالرسائل.
أين المتميزون من مجالسنا؟
من أجمل الأدوار التي يمكن أن تقوم بها المجالس الرقمية صناعة القدوة والاحتفاء بالإنجاز.
لدينا طلاب متفوقون، وحفظة لكتاب الله، وأصحاب درجات علمية، ومبتكرون، ومتطوعون، ورياضيون، وأصحاب مبادرات إنسانية، وموظفون حققوا إنجازات مهنية، وشباب وشابات يرفعون اسم أسرهم ومجتمعهم ووطنهم في مجالات متعددة.
فلماذا تمر إنجازاتهم أحياناً بصمت؟
تكريم المتميز ليس مجرد صورة وشهادة شكر، بل رسالة تربوية لكل شاب وطفل تقول له: إن مجتمعك يرى الإنجاز ويقدره، وإن العلم والعمل والعطاء طريق يستحق أن تسير فيه.
حين نصنع قدواتنا من داخل مجتمعنا، فإننا نقدم لأبنائنا نماذج حقيقية يعرفونها ويستطيعون الاقتداء بها.
أبناؤنا بحاجة إلى محتوى من بيئتهم
الأجيال الجديدة تعيش اليوم وسط سيل هائل من المحتوى القادم من كل اتجاه، وتتعرض يومياً لمئات الرسائل والأفكار والنماذج عبر منصات التواصل.
وهنا تبرز مسؤولية مجالسنا الرقمية.
فإذا لم نقدم لأبنائنا محتوى نافعاً، ونفتح لهم مساحة للحوار والمشاركة، ونعرّفهم بأصحاب العلم والخبرة والإنجاز من مجتمعهم، فإن الفراغ لن يبقى فارغاً؛ فهناك دائماً من سيملؤه.
لذلك فإن تنشيط المجالس الرقمية ليس ترفاً اجتماعياً، بل يمكن أن يكون وسيلة من وسائل تعزيز القيم وبناء الوعي وربط الأجيال ببعضها.
لا نريد ضجيجاً.. بل أثراً
البعض قد يعتقد أن الدعوة إلى تفعيل هذه المجموعات تعني فتح الباب لمئات الرسائل اليومية والمناقشات التي لا تنتهي، وهذا ليس المقصود.
المطلوب ليس كثرة الرسائل، وإنما جودة المحتوى.
قد تكفي مبادرة واحدة كل شهر، أو لقاء معرفي قصير، أو مسابقة أسبوعية، أو قصة نجاح، أو تكريم مستحق، أو رسالة توعوية موثوقة.
ويمكن أن تتولى مجموعة صغيرة من الأعضاء تنظيم هذه الأنشطة وفق برنامج واضح، مع المحافظة على احترام خصوصية المجلس وطبيعته الاجتماعية، والابتعاد عن الجدل والخلافات والموضوعات التي تفرق أكثر مما تجمع.
فالمجلس الناجح ليس الأكثر رسائل، وإنما الأكثر نفعاً وأثراً وتنظيماً.
المسؤولية تبدأ من الجميع
صناعة الأثر ليست مسؤولية مشرف المجموعة وحده، بل مسؤولية جميع أعضائها.
صاحب العلم يشارك بعلمه، وصاحب الخبرة يقدم تجربته، ورجل الأعمال يستطيع دعم المبادرات، والإعلامي يبرز النماذج الإيجابية، والمعلم يساهم في التوعية، والشباب يقدمون أفكارهم وإبداعاتهم، وكبار السن ينقلون تجاربهم وحكمتهم وتاريخ المجتمع إلى الأجيال الجديدة.
وهنا تتحول المجموعة من قائمة طويلة من الأسماء إلى مجتمع حي يتبادل المعرفة والخبرة والعطاء.
فلنغيّر السؤال
بدلاً من أن نسأل: كم عدد أعضاء مجموعتنا؟
لنسأل:
كم مبادرة خرجت منها؟
كم شاباً شجعنا؟
كم متفوقاً كرمنا؟
كم محتاجاً ساعدنا؟
كم معلومة نافعة نشرنا؟
كم خبرة نقلناها إلى جيل جديد؟
وكم أثراً تركناه في مجتمعنا؟
إن قيمة مجالسنا الرقمية لا ينبغي أن تقاس بعدد أعضائها ولا بكثرة الرسائل فيها، وإنما بما تقدمه للإنسان والمجتمع.
الأفراح والأتراح ستبقى جزءاً أصيلاً وجميلاً من مجالسنا، ولكنها يجب ألا تكون كل رسالتها.
لدينا مجالس تجمع مئات العقول والخبرات والطاقات، فلا ينبغي أن تبقى مجرد أسماء مصطفة على شاشة هاتف.
آن الأوان أن تتحول مجالسنا الرقمية من أماكن يسودها الصمت إلى منابر للوعي، ومساحات للمعرفة، وحاضنات للمبادرات، ومنصات للتكريم، وجسور للتواصل بين الأجيال.
فليس المهم أن نكون جميعاً في مجموعة واحدة…
المهم: ماذا صنع اجتماعنا؟ وما الأثر الذي تركناه؟



