درنة ونيبال.. أحداث عظيمة وقعت بقدر الله، ودروس يجب أن نتعلم منها

بقلم ✍️ راشد بن محمد الفعيم

 ما حدث في مدينة درنة الليبية قبل ثلاث سنوات، وما شهدته مناطق في نيبال مؤخرًا، من أحداث مؤلمة خلّفت أعدادًا كبيرة من الضحايا والخسائر، يذكّرنا بعظمة قدرة الله سبحانه، فشاهدنا عبر القنوات الإخبارية وبرامج التواصل الاجتماعي عظمة الله عز وجل وقدرته وقوته على تدمير القرى بأبسط الأشياء، وهي الماء والطوفان.

فالإنسان، مهما بلغ من العلم والتقنية والقدرة على التنبؤ، يبقى عاجزًا عن منع ما قدّره الله تعالى، ولكنه مأمور في الوقت نفسه بالأخذ بالأسباب والحذر والاحتياط.

ففي سبتمبر عام 2023، تعرضت مدينة درنة في ليبيا لأمطار غزيرة نتيجة العاصفة «دانيال»، وتسببت الأمطار في ارتفاع منسوب المياه وانهيار سدّي درنة، فانطلقت كميات ضخمة من المياه والحطام باتجاه المدينة.

وكانت النتيجة مأساوية؛ فقد جرفت المياه أجزاءً من المدينة، ودمرت منازل وطرقًا ومنشآت، وفقد آلاف الأشخاص حياتهم.

وبحسب الإحصائية الرسمية التي أُعلنت لاحقًا، بلغ عدد الوفيات المسجلة 4,540 وفاة، إضافة إلى عدد كبير من المفقودين.

ولا ينبغي عند الحديث عن هذه الحادثة أن ننظر إليها من زاوية الأسباب المادية فقط؛ فالمؤمن يؤمن بأن كل ما وقع إنما وقع بعلم الله وقدره ومشيئته، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾.

لكن الإيمان بالقدر لا يعني ترك الأسباب، بل إن الأخذ بالأسباب من هدي الإسلام.

وما حدث في نيبال

أما ما شهدته مناطق في نيبال مؤخرًا، فقد جاء في ظروف مختلفة، حيث تسببت الانهيارات الجليدية والصخرية والتدفقات المائية في اندفاع كميات كبيرة من المياه والحطام نحو المناطق الواقعة أسفل الجبال ومجاري الأودية.

وخلاف كارثة نيبال

بحسب أحدث الأرقام المنشورة اليوم، 29 أغسطس 2026، ارتفع عدد الوفيات في فيضانات نيبال والتبت إلى نحو 584 وفاة مؤكدة:

وهناك نحو 2,482 شخصًا ما زالوا مفقودين.

ومع اختلاف تفاصيل الحادثتين، فإن المشهد يعيد إلى الأذهان درسًا مهمًا: المياه عندما تجد طريقها في الأودية ومجاري الأنهار تستطيع أن تتحول خلال وقت قصير إلى قوة مدمرة لا يستطيع الإنسان الوقوف أمامها.

وهنا تظهر أهمية التخطيط العمراني، ودراسة طبيعة الأرض، ومعرفة مسارات الأودية ومناطق تجمع المياه قبل إقامة المساكن والمنشآت.

خطورة البناء في مجاري الأودية

قد يرى الإنسان واديًا جافًا، ولا يجد فيه ماءً إلا في مواسم محدودة، فيظن أن البناء بالقرب منه آمن. وهذا تصور غير صحيح.

فالأودية هي في الأصل مجارٍ للمياه، وقد تمر سنوات طويلة دون أن تشهد سيولًا استثنائية، ثم يأتي مطر غزير في منطقة بعيدة، فتتجمع المياه وتتدفق بسرعة كبيرة نحو المناطق المنخفضة.

والخطر لا يقتصر على المياه وحدها؛ فالسيول قد تحمل معها الصخور والأشجار والطين ومخلفات المباني، وتزداد قوتها كلما كان مجرى الوادي ضيقًا أو جرى التعدي عليه بالبناء والردم.

ولهذا فإن إقامة التجمعات السكنية داخل مجاري الأودية أو في المناطق التي ثبت تاريخيًا تعرضها للسيول أمر يحتاج إلى دراسة دقيقة وحذر شديد.

فالإنسان مأمور بأن يحفظ نفسه وماله، وأن يتجنب أماكن الخطر، وأن يتخذ وسائل الوقاية، وأن يحذر من الأخطار المتوقعة.

فالمؤمن يجمع بين الأمرين: الإيمان بأن ما شاء الله كان، والأخذ بالأسباب التي أمر الله بها.

فإذا عرف الإنسان أن منطقة ما معرضة للسيول، فعليه أن يتجنب البناء فيها. وإذا حذرت الجهات المختصة من خطر قادم، فعليه أن يأخذ التحذير بجدية. وإذا كانت هناك أنظمة تمنع البناء في مجاري الأودية، فالمحافظة عليها ليست أمرًا شكليًا، بل قد تكون سببًا في حفظ الأرواح.

الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه

إن ما حدث في درنة، وما نشهده من أحداث مشابهة في مناطق مختلفة من العالم، يجب ألا يكون مجرد خبر ينتهي بانتهاء الحدث.

بل ينبغي أن يكون درسًا في التخطيط والاستعداد والوقاية.

فالإنسان لا يستطيع أن يمنع المطر، ولا يستطيع أن يمنع انهيار جبل أو اندفاع سيل إذا قدر الله وقوعه، لكنه يستطيع أن يختار المكان الآمن للسكن، ويبتعد عن مجاري الأودية، ويضع أنظمة للإنذار المبكر، ويهيئ طرقًا للإخلاء، ويمنع التعديات على مجاري السيول.

وهذه كلها أسباب مشروعة، بل قد تكون سببًا بعد الله في إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر.

لذلك فإن من أهم الدروس التي ينبغي أن نخرج بها من هذه الأحداث:

لا نبني في مجاري الأودية، ولا نستهين بالسيول، ولا نتجاهل التحذيرات، ولا نغفل عن دراسة طبيعة الأرض.

فالأخذ بالأسباب واجب، والنتائج كلها بيد الله سبحانه وتعالى.

ونسأل الله أن يرحم من قضوا في هذه الأحداث، من المسلمين، وأن يحفظ المسلمين والناس أجمعين من كل سوء، وأن يلهم الجميع السلامة والحذر، وأن يجعل ما يحدث عبرةً وتذكيرًا بقدرته سبحانه وتعالى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى