الجامعة ليست مدرسة كبيرة

الدكتور:رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– هناك فرق كبير بين أن تنجح في إدارة مدرسة، وأن تمتلك القدرة على تأسيس جامعة.
قد تبدو الجملة قاسية، لكنها في واقع التعليم ليست كذلك؛ بل هي حقيقة يجب أن تحضر بقوة عندما تتجه بعض المؤسسات التعليمية الخاصة إلى التوسع من التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي.
فنجاح مؤسسة في تشغيل مجموعة من المدارس، وانتشارها في أكثر من موقع، وارتفاع أعداد طلابها، لا يعني بالضرورة أنها أصبحت جاهزة لإنشاء جامعة أهلية. فالتعليم الجامعي عالم آخر، له متطلباته الأكاديمية والتنظيمية والاستثمارية، وله معاييره في الحوكمة والجودة والاعتماد والبحث العلمي واستقطاب الكفاءات.
والجامعة لا تبدأ من الأرض والمبنى والشعار، وإنما تبدأ من الرؤية، والأنظمة، والحوكمة، والكوادر، والبرامج الأكاديمية، والقدرة على صناعة المعرفة.
وهنا أتوقف عند موقف يستحق التأمل.
أحد الزملاء المتخصصين في تأسيس الجامعات وإعداد أنظمتها ولوائحها، كُلّف من إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة بالإسهام في مشروع إنشاء جامعة أهلية في شمال الرياض. وقد بذل الرجل جهدًا كبيرًا، وأعد اللوائح والتصورات، وشارك في ترتيبات متعددة، واستثمر خبرته ووقته في مشروع يفترض أنه مشروع استراتيجي كبير.
لكن المؤسف أن هذا الجهد لم يجد التواصل والمتابعة المؤسسية التي يستحقها، ولم يجد صاحبه حتى السؤال الكافي عما أنجزه، وما تم بشأن المشروع، وما هي الخطوات التالية.
وهنا لا أتحدث عن شخص بعينه، ولا عن مؤسسة بعينها، وإنما أتحدث عن ثقافة إدارية ينبغي أن نتوقف عندها.
فإذا كانت مؤسسة تعليمية تفكر في إنشاء جامعة، ثم لا تستثمر بالشكل الصحيح في أصحاب الخبرة الذين استعانت بهم، فكيف ستتعامل لاحقًا مع عشرات الملفات الأكاديمية والتنظيمية والمالية الأكثر تعقيدًا؟
إن تأسيس جامعة ليس مشروع توسع تجاريًا عابرًا، ولا مرحلة جديدة تضاف إلى قائمة فروع المؤسسة.
إنها مسؤولية علمية ومجتمعية واستثمارية كبيرة.
ولهذا يجب ألا نقيس أهلية المؤسسة لإنشاء جامعة بعدد مدارسها، أو حجم انتشارها، أو نجاحها التجاري، وإنما نسأل سؤالًا أكثر أهمية:
هل تمتلك هذه المؤسسة الجاهزية الحقيقية لصناعة جامعة؟
فالانتشار ليس بالضرورة جودة، والنجاح في التعليم المدرسي ليس ضمانًا للنجاح في التعليم العالي.
قد تكون المؤسسة متميزة في إدارة المدارس، وهذا أمر يستحق التقدير، لكنها تحتاج عند الانتقال إلى التعليم الجامعي إلى منظومة مختلفة من الخبرات والقيادات والأنظمة والشراكات والموارد.
بل إن من أهم مؤشرات نجاح أي مشروع جامعي أن تكون الإدارة العليا قادرة على الاستماع إلى المتخصصين، واحترام خبراتهم، ومتابعة ما يقدمونه، وتحويل الدراسات واللوائح إلى قرارات وممارسات حقيقية.
والجامعة التي نريدها اليوم في المملكة لا ينبغي أن تكون مجرد جامعة جديدة تضاف إلى قائمة الجامعات، وإنما جامعة تضيف شيئًا جديدًا إلى المشهد؛ جامعة تقدم تخصصات نوعية، وتستقطب الكفاءات، وتدعم البحث العلمي والابتكار، وتبني شراكات دولية، وتنتج خريجين قادرين على المنافسة في سوق العمل، وتنسجم برامجها مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
متى ستُفتتح الجامعة؟
بل:
هل نحن جاهزون فعلًا لإنشاء جامعة تستحق أن تُفتتح؟
هذه هي النقطة التي يجب أن تسبق الإعلان، وقبل الأرض والمبنى والاسم والشعار.
فالمباني يمكن أن تُبنى، واللوائح يمكن أن تُكتب، والأسماء يمكن أن تُعلن، لكن بناء جامعة ناجحة يحتاج إلى عقل مؤسسي يؤمن بأن التعليم العالي صناعة مختلفة، وأن الخبرة لا تُستدعى لتجميل المشروع، وإنما لتقوده إلى النجاح.
وأخيرًا…
ليس كل من يستطيع أن يبني مدرسة يستطيع أن يبني جامعة، وليس كل من نجح في إدارة التعليم المدرسي يمتلك بالضرورة أدوات صناعة التعليم الجامعي.
فالجامعات لا تُبنى بالحجر وحده…
الجامعات تُبنى بالعقول، والخبرات، والحوكمة، والرؤية.
ومن لا يملك هذه المقومات، فالأفضل له أن يتأنى قبل أن يضع حجر الأساس.



