رأى أن الاستثمار في الكاتب أهم من دعم الكتاب
محمد بلو .. من الطيران وفقدان البصر إلى مشروع أدبي يعبر بالذاكرة السعودية نحو العالم

جدة – ماهر عبدالوهاب
أكد الكاتب السعودي محمد توفيق بلو أن مسيرته الممتدة بين الطيران والعمل الاجتماعي والتأليف والنشر شكلت رصيدًا إنسانيًا ومعرفيًا انعكس على مشروعه الأدبي، مشيرًا إلى أن تجربته مع فقدان البصر لم تكن نهاية طريق، بل بداية مرحلة جديدة أعاد خلالها بناء علاقته بالحياة عبر الكتابة.
وأوضح بلو، وهو كاتب ومؤلف ومحرر أدبي ووكيل أدبي مرخص من وزارة الثقافة ومؤسس ومدير شركة «سطور للنشر» في جدة، أن مشروع سيرته الأدبية «رحلتي عبر السنين» يمثل اليوم محور مشروعه الثقافي، إلى جانب جهوده في إحياء الإرث الأدبي لجده الأديب السعودي طاهر عبد الرحمن زمخشري، والعمل على توثيق سيرته ونشر أعماله وتعريف الأجيال الجديدة بها.
• ذاكرة بصرية صنعت عالم الكتابة
وقال إن فقدان البصر لم يمنعه من بناء المشهد الأدبي واستحضار التفاصيل، موضحًا أنه عاش أكثر من خمسة وعشرين عامًا مبصرًا، وتنقل خلال تلك السنوات بين مدن وعواصم عديدة بحكم عمله في الطيران وأسفاره المتكررة، ما منحه مخزونًا واسعًا من الصور والأماكن والوجوه والألوان والتجارب ، مضيفاً أنه لا يعتمد على الذاكرة وحدها، بل يستند أيضًا إلى أرشيف ضخم احتفظ به عبر سنوات طويلة، يضم وثائق وصورًا وخطابات وكتبًا وتسجيلات صوتية ومرئية، إلى جانب ما وفرته التقنية الحديثة من وسائل للوصول إلى المعلومات والتحقق من التفاصيل، مؤكدًا أن كتابته تقوم على المزج بين الذاكرة الإنسانية ودقة التوثيق وحيوية السرد الأدبي.
• الإعاقة جزء من الحكاية
وكشف بلو أن فقدان البصر غيّر طريقة تفاعله مع العالم أكثر مما غيّر قدرته على فهمه، مبينًا أنه أصبح أكثر انتباهًا للأصوات ونبرات الحديث والتفاصيل الإنسانية الدقيقة التي قد لا يلتفت إليها كثيرون ، مشيراً لى أن اهتمامه ينصب على جوهر الإنسان وتجربته وسلوكه وتأثيره في الأحداث أكثر من اهتمامه بالمظهر الخارجي، وهو ما انعكس على أعماله التي تميل إلى السيرة الذاتية والرواية المستندة إلى الواقع.
وشدد على أنه لا يرغب في اختزال تجربته الأدبية في إطار الإعاقة، مؤكدًا أنه كاتب تعرض لفقدان البصر، وليس مجرد تجربة إعاقة تحاول أن تكتب، وأن الإعاقة تمثل جزءًا مهمًا من سيرته، لكنها ليست العنصر الوحيد فيها، فهناك أيضًا أدب الرحلات والتحولات الإنسانية والتجارب الثقافية المتنوعة.

• سيرة شخصية توثق ذاكرة جيل
وأكد أن مشروع «رحلتي عبر السنين» بدأ من سيرته الشخصية، لكنه تحول تدريجيًا إلى توثيق لمرحلة اجتماعية وثقافية عاشها جيل كامل، من خلال استعادة تفاصيل الحياة في جدة، والتعليم والرياضة والعمل والطيران والسفر والتحولات الاجتماعية والثقافية والإعلامية ، مضيفاً أن سنوات التنقل والعمل أتاحت له معايشة تجارب متنوعة في مدن وعواصم عالمية مثل نيويورك وبانكوك ومانيلا وسيئول وغيرها، الأمر الذي أضفى على المشروع بعدًا إنسانيًا وثقافيًا يتجاوز الحدود المحلية.
وأشار إلى أن تفاعل القراء مع ما ينشره يؤكد أن تلك الحكايات تستحضر ذكريات مشتركة لدى كثيرين، كما أن إحصاءات موقعه الإلكتروني تظهر وصول هذه القصص إلى قراء من مختلف القارات، موضحًا أن طموحه يتمثل في ترجمة السلسلة إلى لغات أخرى، وفي مقدمتها الإنجليزية والفرنسية، مع إمكانية تحويلها مستقبلًا إلى عمل سينمائي.
• الكتاب مشروع متكامل
وقال بلو إن جمعه بين أدوار المؤلف والمحرر الأدبي والوكيل الأدبي والناشر منحه رؤية شاملة لصناعة الكتاب، موضحًا أن كل مرحلة من هذه المراحل تكمل الأخرى، بدءًا من الفكرة والنص، مرورًا بالتحرير والتطوير، وصولًا إلى إدارة الحقوق والتسويق والتوزيع ، موضحاً أن جودة الكتاب وحدها لا تكفي لضمان انتشاره، مؤكدًا أن تحويل الكتاب السعودي إلى منتج ثقافي قادر على المنافسة يتطلب منظومة متكاملة تشمل صناعة المحتوى والتحرير والنشر والتسويق والترجمة وإدارة الحقوق والوصول إلى الأسواق الدولية ، كما دعا إلى تعزيز دور القطاع الخاص وبرامج المسؤولية الاجتماعية في الاستثمار الثقافي، معتبرًا أن الثقافة تمثل أحد مكونات الاقتصاد والصناعات الإبداعية وليست نشاطًا هامشيًا.
• الاستثمار في الكاتب لا في الكتاب
وأكد بلو أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من دعم إصدار الكتب إلى الاستثمار في مسيرة الكاتب ومشروعه الفكري على المدى الطويل، موضحًا أن الفارق كبير بين تمويل كتاب واحد وبين تبني مشروع أدبي متكامل يشمل تطوير المحتوى والترجمة والتسويق وإدارة الحقوق والمشاركة الدولية ، لافتا إلى أن ما تشهده المملكة من اهتمام متزايد بالثقافة والصناعات الإبداعية يوفر فرصة مهمة لبناء نماذج جديدة تسهم في وصول الكاتب السعودي إلى المنصات العالمية، بما يعزز حضور الأدب والثقافة السعودية خارج الحدود.

• «رحلتي عبر السنين» رهان المرحلة
وكشف أن «رحلتي عبر السنين» تمثل مشروعه الأدبي الأكبر حاليًا، لأنها ليست كتابًا منفردًا، بل سلسلة توثق مراحل متعددة من حياته وتحولاتها المختلفة ، كما أن ما تتضمنه السلسلة من أحلام وتجارب وفقدان ونجاحات وإعادة بناء للحياة، إلى جانب ما تحمله من أبعاد إنسانية وثقافية، يجعلها قابلة للتفاعل مع قراء من ثقافات متعددة، وهو ما يدفعه إلى العمل على ترجمتها وإيصالها إلى الأسواق الدولية، بالتوازي مع مشروعه الخاص بإحياء إرث طاهر زمخشري.
• القلم بوابة التأثير الأوسع
وأضاف بلو أن عودته إلى الكتابة جاءت نتيجة قناعة راسخة بقوة الكلمة وقدرتها على إحداث التغيير، مشيرًا إلى أن العديد من المحطات المفصلية في حياته بدأت بفكرة كُتبت على الورق، سواء في مسيرته المهنية أو في مشروعاته الاجتماعية والإنسانية ، كما أن هذه التجارب عززت إيمانه بأن القلم هو الأداة الأكثر قدرة على نقل التجارب والأفكار إلى ما بعد حدود المكان والزمان، ولذلك وضع رهانه الأكبر اليوم على مشروعه الأدبي.
• حلم الوصول إلى القارئ العالمي
واختتم بلو حديثه بالتأكيد على أن حلمه يتمثل في وصول تجربته الأدبية إلى القارئ داخل المملكة وخارجها، وأن يقدم نموذجًا للكاتب السعودي القادر على تحويل تجربته المحلية إلى محتوى إنساني عالمي.
وقال إن الإعاقة ليست العنوان الذي يريد أن يُعرف به، بل جزء من قصة أوسع تؤكد قدرة الإنسان على إعادة بناء أدواته كلما واجه تحديات جديدة، مشددًا على أنه يراهن على القلم ليحمل «رحلتي عبر السنين» وسائر أعماله إلى القارئ العربي والعالمي، وأن تسهم هذه الأعمال في إثراء المشهد الأدبي والثقافي السعودي.




