أبناء المغتربين بين هويتين.. عندما تذوب قيم التربية والتدين في الغرب

بقلم الاعلامي بسام العريان
تطرق أبواب الهجرة آلاف العائلات العربية مسلمين ومسيحيين بحثاً عن أفق أرحب ومستقبل أفضل، غير أن هذه الرحلة، رغم ما تحمله من فرص واعدة، تضع الأسرة أمام تحديات تربوية وثقافية معقدة. فما إن تستقر العائلة في المجتمعات الغربية في أمريكا أو أوروبا، حتى تجد نفسها في مواجهة صدمة قيمية تؤدي في كثير من الأحيان إلى ضعف السيطرة الوالدية، وتراجع مظاهر الالتزام الديني، واهتزاز منظومة التكافل الأسري التي شكلت جوهر حياتهم في أوطانهم الأصلية.
تتأسس أزمة التنشئة في المهجر على التباين الجذري بين ثقافة الشرق القائمة على “الجماعية” والتضامن الأسري، وبين ثقافة الغرب القائمة على “الفردية” والاستقلالية المطلقة. يتربى الطفل في البيت على مفهوم بر الوالدين وطاعتهما، بينما يتلقى في المدرسة والشارع مفاهيم تعزز الحرية الفردية وحق الاستقلال التام فور بلوغ السن القانونية. هذا الصراع الثقافي يضع الأبناء في حالة شتات بين هويتين، مما يضعف السلطة التربوية للآباء ويجعل أدوات التوجيه التقليدية عاجزة عن ضبط سلوك الأبناء.
ولعل أبرز مظاهر هذا التحول يكمن في التراجع التدريجي عن المظاهر والعبادات الدينية. فالأبناء المسلمون في بيئة المهجر يواجهون صعوبة في الحفاظ على شعائر الصلاة والصيام والزكاة في ظل إيقاع حياة مادي سريع وغياب البيئة المجتمعية المشجعة. وعلى المنوال نفسه، يبتعد الأبناء المسيحيون عن الكنيسة والمشاركة في الأنشطة الرعية، حيث يطغى نمط الاستهلاك وتأثير الأقران على الوازع الديني والروحي.
ولم تقتصر الأزمة على الجانب الديني فحسب، بل امتدت لتطال الهوية اللغوية؛ فاللغة العربية—التي تعد الوعاء الفكري للقيم والدين—تتراجع لتصبح لغة ثانوية أو غائبة تماماً لدى الجيل الجديد. يجد الأبناء صعوبة في قراءة القرآن الكريم أو فهم النصوص والصلوات الدينية، بل حتى في التواصل العميق مع الوالدين والأقارب. هذا الانقطاع اللغوي يسهم في إيجاد جدار عازل داخل البيت الواحد، ويحول دون نقل الخبرات الموروثة والقيم الأصيلة.
تتفاقم المشكلة حين تصطدم الرعاية الوالدية بالقوانين والتشريعات الغربية التي تضمن للأبناء استقلالية كاملة وتحد من تدخل الآباء في خياراتهم الشخصية أو التعليمية. وعند حدوث أي خلاف أسري، قد يختار الابن أو الابنة ترك المنزل والاستقلال الكلي، دون اعتبار لمفاهيم صلة الرحم أو رد الجميل للوالدين، مما يمزق نسيج التضامن والتكافل الأسري ويحل محله التفكك والعزلة.
إن حماية أجيالنا في ديار الهجرة تتطلب إعادة صياغة الخطاب التربوي داخل الأسرة؛ خطاب يقوم على الحوار البناء والمصادقة بدلاً من الإكراه والفرض، وتفعيل دور المراكز الثقافية والدينية والمؤسسات المجتمعية لبناء بيئة حاضنة تحفظ للهوية جذورها، وللأبناء توازنهم في مجتمعاتهم الجديدة.



