من أين يأتي كتّاب الغد؟

د.غالب طه محمد طه

أعترف أن لي عادة قديمة هي البحث اليومي عن الأخبار. بدأت معي حين كان الرصد الصحفي جزءًا من عملي، وبقيت حتى بعد أن تركته، وانتقلت ببساطة من الصحف الورقية إلى المواقع والمنصات الرقمية. وربما كنت مدينًا لهذه العادة بكثير من الموضوعات التي كتبت عنها؛ فخبر يقود إلى آخر، وأحيانًا يقودني البحث إلى شيء لم أكن أبحث عنه أصلًا.

وبحكم انشغالي بالإعلام أصبحت أكتب كثيرًا عن طلابه، وعن أهمية التدريب، وضرورة اكتشاف المواهب الإعلامية في وقت مبكر، قبل أن يصل الطالب إلى الجامعة ثم نكتشف أنه يجيد الكتابة، أو يملك صوتًا إذاعيًا، أو عينًا تلتقط القصة من التفاصيل، أو قدرة على طرح السؤال.

لذلك كان طبيعيًا أن أتوقف عند خبر إطلاق أول مدرسة للموهوبين الإعلاميين في المدينة المنورة. أسعدني الخبر وكتبت عنه من قبل، لكن عادتي القديمة في البحث لم تجعلني أتوقف عنده. وأثناء القراءة والتقصي قادني الأمر إلى خبر آخر لم أكن قد انتبهت إليه، رغم أنه منشور منذ أشهر.

مجموعة الغد الإعلامية أطلقت منذ بداية هذا العام مبادرة «أقلام المستقبل» بالتعاون مع منصة «تاء»، لاكتشاف مواهب الأطفال في الكتابة والتعبير، من خلال البرامج والورش والمشاركات، وأعلنت تخصيص مساحة في صحف المجموعة لنشر إنتاجهم.

وأعترف أنني توقفت هنا أكثر.

فالخبر لم يصل إليّ وقتها، رغم أنني أتابع ما ينشر في الإعلام بصورة شبه يومية. وربما كان صوت المبادرة أخفت مما تستحق، أو أنها لم تنل من الضوء ما يتناسب مع قيمة فكرتها. وهذا في حد ذاته سبب لأن أكتب عنها الآن.

ما يستحق الإشادة في تجربة مجموعة الغد، في تقديري، أنها لم تنتظر مشروعًا حكوميًا كبيرًا حتى تبدأ. مؤسسة إعلامية التفتت إلى الأطفال وسألت مبكرًا عن أصحاب المواهب بينهم، ثم تعاونت مع منصة لها تجربة في هذا المجال، وأعلنت فتح مساحة في صحفها أمام إنتاج هؤلاء الصغار.

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه يحمل فكرة أكبر.

فالطفل الذي يجد صحيفة تأخذ محاولته الأولى بجدية، وتمنحه فرصة للكتابة والتعلم والنشر، يبدأ في تكوين علاقة مختلفة مع الصحافة. ليس ضروريًا أن يصبح صحفيًا في المستقبل، ولا أن يكون ذلك هو الهدف، لكننا على الأقل نقرّبه من القراءة والكتابة، ونمنحه فرصة لاكتشاف ما يستطيع أن يفعله.

وهنا أرى أن «أقلام المستقبل» تضع أمام الصحافة العربية سؤالًا يستحق التفكير.

نحن نتحدث كثيرًا عن تراجع جمهور الصحف، وعن الأجيال الجديدة التي أخذتها المنصات، وعن تغير عادات القراءة. لكن كم مرة سألت مؤسسة صحفية نفسها: ماذا فعلنا نحن لتكوين جمهورنا القادم؟

ليس مطلوبًا من كل صحيفة أن تنشئ مدرسة للموهوبين الإعلاميين. لكن بإمكانها أن تبدأ بما هو متاح: مساحة للأطفال والناشئة، مسابقة كتابة، ورشة، نادٍ صغير، أو محرر يتابع المواهب حين تظهر ولا يكتفي بنشر محاولة عابرة.

ولهذا أتمنى أن تتسع تجربة «أقلام المستقبل»، وأن نرى مثلها في صحف سعودية وعربية أخرى. فالأمر لا يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية وحدها، وإنما بعلاقة الصحافة نفسها بالأجيال التي ستقرأ وتكتب وتصنع المحتوى في السنوات القادمة.

وربما كان بين الأطفال الذين يقرأون صحفنا اليوم بعض كتّابها في المستقبل. لكننا لن نعرفهم إذا لم نفتح لهم الباب من الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى