حين تكون نعمة الوطن مسؤولية

د. رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– الحمد لله رب العالمين، الذي أنعم على هذه البلاد بنعمٍ عظيمة، وأكرمها بالأمن والاستقرار، وهيأ لها قيادةً جعلت خدمة الوطن والمواطن هدفًا، وجعلت من الإنسان محورًا للتنمية وبناء المستقبل.
منذ أن دعا إبراهيم عليه السلام ربه فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، ارتبطت هذه الأرض المباركة بمعاني الأمن والرزق والطمأنينة. واليوم، ونحن ننظر إلى ما تنعم به المملكة العربية السعودية من استقرار ورغد في العيش وتطور متسارع، ندرك أن أعظم ما ينبغي أن نستحضره قبل الحديث عن الإنجازات هو شكر الله على هذه النعم.
فالأمن نعمة، والاستقرار نعمة، ووحدة الصف نعمة، وخدمة الحرمين الشريفين نعمة وشرف، ووجود قيادة تعمل من أجل حاضر الوطن ومستقبله نعمة، وكذلك ما يعيشه المواطن من خدمات وفرص وجودة حياة وتطور في مختلف المجالات.
ولعل من أجمل ما يميز هذه البلاد أن علاقتها بالدين ليست منفصلة عن حياتها العامة؛ فهي بلاد الحرمين الشريفين، ومنها انطلقت رسالة التوحيد، وعلى أرضها قبلة المسلمين، وإليها يفد المسلمون من مختلف أنحاء العالم. ولذلك فإن خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما ليست مجرد مسؤولية وطنية، بل شرف عظيم تستشعره هذه البلاد قيادةً وشعبًا.
ومن نعم الله علينا أيضًا أن المواطن السعودي يعيش في وطنٍ لا يشعر فيه بالغربة عن قيادته؛ فالقيادة قريبة من المواطن، والمواطن يستشعر أن أمن وطنه واستقراره ومستقبله جزء من مسؤوليته الشخصية. ولهذا نرى مشاعر الانتماء حاضرة في الأحاديث والمناسبات والمجالس، وفي المدارس والجامعات ومواقع التواصل، وفي احتفالات الوطن وأيامه الوطنية.
وليس المقصود بالشكر أن نردد الكلمات الجميلة فقط، وإنما أن يتحول الشكر إلى سلوك ومسؤولية.
أن نحافظ على مكتسبات الوطن، وأن نحترم أنظمته، وأن نؤدي أعمالنا بإخلاص، وأن نربي أبناءنا على حب الوطن والاعتزاز به، وأن نكون عونًا في بنائه، وأن ندرك أن المواطنة ليست شعورًا نردده في المناسبات، بل ممارسة يومية تظهر في العمل والانضباط والمحافظة على الممتلكات العامة وخدمة المجتمع.
لقد مر العالم خلال السنوات الماضية بأزمات واضطرابات وتحديات أثرت في حياة الشعوب، وكان من نعم الله على المملكة أن حافظت على أمنها واستقرارها، واستمرت عجلة الحياة فيها، وظلت المدارس والجامعات والأسواق والمشروعات ومختلف مناشط الحياة تعمل، بينما كانت دول أخرى تواجه ظروفًا صعبة أثرت في حياة مواطنيها.
وهنا تتأكد قيمة النعمة.
فحين نعيش في أمن، قد نعتاد الأمن حتى لا نشعر بعظمته. وحين نستيقظ كل صباح ونحن مطمئنون على أهلنا وأبنائنا وأعمالنا، قد ننسى أن الطمأنينة نفسها نعمة تستحق الحمد.
وحين تأتي المناسبات الوطنية، ونرى أبناء الوطن من مختلف الأعمار والمناطق يشاركون في الاحتفال، فإن المشهد لا ينبغي أن يكون مجرد فرح عابر، بل فرصة ليتذكر الجميع أن وراء هذا الاستقرار مسؤولية مشتركة.
فالوطن ليس فقط مكانًا نعيش فيه، بل أمانة نعيش من أجلها.
ومن هنا فإن واجبنا أن نقف مع وطننا، وأن ندعم مسيرته، وأن نحافظ على وحدته ومكتسباته، وأن ندعو له في صلواتنا، وأن نغرس هذه المعاني في أبنائنا وبناتنا؛ لأنهم جيل المستقبل، وهم الذين سيحملون راية هذه البلاد ويواصلون مسيرة البناء.
وإذا كان هناك من يستحق أن يشعر بأنه شريك حقيقي في قصة النجاح، فهو المواطن؛ لأنه المستفيد من الأمن والتنمية، والشريك في المحافظة عليهما، والمسؤول عن أن يكون عنصرًا فاعلًا في وطنه.
إن النعمة الكبرى ليست أن نملك وطنًا غنيًا بالموارد والإمكانات فحسب، وإنما أن نملك وطنًا آمنًا مستقرًا، وقيادةً تعمل من أجل مستقبله، وشعبًا يلتف حول وطنه، وأجيالًا تنظر إلى المستقبل بثقة وأمل.
فلنحمد الله على وطننا، ولنحافظ على نعمته، ولنكن أوفياء له قولًا وعملًا.
اللهم أدم على المملكة العربية السعودية أمنها واستقرارها، واحفظ قيادتها، وبارك في شعبها، وأدم عليها نعمة التوحيد والوحدة والأمن والرخاء، واجعلها دائمًا دار خير وسلام، ووفق أبناءها لما فيه رفعتها وازدهارها.
فحين ندرك قيمة النعمة، نعرف قيمة الوطن، وحين نعرف قيمة الوطن، تصبح المحافظة عليه مسؤولية كل واحد منا.