نرى الملامح… وتغيب عنّا الحكاية …ونطلق الأحكام

بقلم:الكاتبه هيلة الحربي
أحيانًا أتوقّف أمام يقيننا حين نتحدّث عن الآخرين: «أعرفه جيدًا»، «أفهم لماذا فعل ذلك». وأتساءل: كم نعرف حقًّا من الإنسان الذي أمامنا؟ وكم نملأ فراغات معرفتنا به من تجاربنا ومخاوفنا، ثم نُطلق على الصورة التي رسمناها اسم الحقيقة؟
في النفس الإنسانية مساحاتٌ لم تصل إليها الكلمات بعد؛ شعورٌ نعرف ثقله ولا نحسن تسميته، ورغبةٌ نتردّد في الاعتراف بها، وذكرى نظنّها مضت، ثم نفاجأ بأثرها في طريقة اقترابنا أو انسحابنا. وقد نحتاج إلى وقتٍ طويل لندرك ما الذي حرّكنا في موقفٍ عابر. فإذا كانت ذواتنا تتكشّف لنا على مهل، فكيف نزعم الإحاطة بذوات الآخرين؟
نرى صمتًا فنحسبه تعاليًا، وابتعادًا فنفسّره جفاءً، وثباتًا فنظنّ صاحبه مستغنيًا عن المواساة. وربما كان وراء الصمت ارتباك، ووراء الابتعاد تعب، وخلف الثبات حاجةٌ لم تجد سبيلها إلى البوح. وتبقى هذه احتمالات؛ فالتأنّي في الحكم يقتضي أن نترك للإنسان فرصةً ليشرح نفسه، وأن نصغي إلى ما يقوله، وننظر إلى ما يفعله.
وحين أتأمّل علاقتنا بالآخرين، أجد أنّنا نحمل إليها أكثر ممّا نقصد إظهاره. نحمل تصوّراتنا عن الحب، وما تعلّمناه عن الاستحقاق، وما نخشاه من الرفض والفقد. ثم تأتي لحظةٌ صغيرة، فتلامس فينا شيئًا أقدم منها: يتأخّر ردّ، فيستيقظ شعورٌ بأنّنا منسيّون؛ وتُقال ملاحظة، فتصل إلى موضعٍ ما زال يؤلمه التقليل. وقد يسمع الآخر عتابنا على ما حدث اليوم، دون أن يعرف كلّ ما استيقظ فينا بسببه.
هنا أرى قيمة العودة إلى الذات قبل إصدار الحكم: ما الذي آلمني تحديدًا؟ ماذا حدث بالفعل، وماذا أضفتُ إليه من تفسير؟ هل عبّرتُ عن حاجتي، أم انتظرتُ أن تُفهم من تلقاء نفسها؟ هذه الأسئلة تساعدني على أن أرى الموقف بوضوحٍ أكبر، وأن أمنح ألمي لغةً يستطيع الآخر فهمها.
ولعلّ أصعب ما نواجهه في هذه العودة هو ما يربك صورتنا عن أنفسنا: غيرةٌ نخجل منها، وحاجةٌ إلى التقدير نحاول إخفاءها، ورغبةٌ في التحكّم نسمّيها حرصًا. وربما اشتدّ حكمنا على صفةٍ في غيرنا لأنّ الاعتراف بوجود شيءٍ منها فينا يؤلمنا. لذلك يستحقّ انفعالنا بالآخر أن نفهمه أيضًا؛ فقد يخبرنا عنه، وقد يكشف شيئًا منّا.
وأتساءل: هل نستعجل تفسير الناس لأنّ الغموض يقلقنا؟ قد نفضّل إجابةً مؤلمة على سؤالٍ مفتوح، فنقول: «لم يعد يهتمّ»، ثم نبتعد استجابةً لاستنتاجنا، ويقرأ الطرف الآخر ابتعادنا بطريقته. هكذا قد تتّسع المسافة بين شخصين، وكلٌّ منهما يظنّ أنّه يردّ على الآخر، بينما يردّ على الحكاية التي كوّنها عنه.
يمنحنا الحوار فرصةً لمراجعة هذه الحكايات. أن نقول: «آلمني ما حدث، وأريد أن أفهمه»، وأن نستمع دون أن نُعدّ الإجابة سلفًا. ويحتاج هذا القرب إلى مشاركة الطرفين؛ إلى استعدادٍ للشرح، وسماع الأثر، والاعتذار، وتغيير ما يتكرّر من أذى. ففهم دوافع السلوك لا يُسقط مسؤولية صاحبه عنه، والرحمة تتّسع لحدودٍ تحفظ كرامتنا وأماننا.
كلّما ازددتُ تأمّلًا في النفس، بدا لي أنّ معرفتها تورث تواضعًا في الحكم. نصبح أكثر انتباهًا للفارق بين ما نراه وما نستنتجه، وأكثر استعدادًا لأن نُراجع فهمنا. ونمنح من نحبّ حقّ التغيّر، بدلًا من إبقائه أسير صورةٍ قديمة في أذهاننا.
لعلّ العلاقة تنضج حين يأمن فيها الإنسان أن يقول: «هذا ما أخشاه، وهذا ما أحتاج إليه»، ويجد من يصغي إليه بصدق، كما يصغي هو. وحينها، تخفّ حاجة القلوب إلى التخفّي، ويغدو القرب معرفةً تتجدّد، ومسؤوليةً نتقاسمها.
فخلف كلّ وجهٍ حياةٌ لم نعشها، وفي كلّ نفسٍ ما لم يجد كلماته بعد؛ وما ألطف أن نقترب بما يكفي لنسمع الحكاية من صاحبها.



