عندما يبكي الرجال… وجعٌ لا يراه أحد

بقلم الإعلامي صالح المحجم
يُقال إن دموع الرجال نادرة
لا تسقط إلا بعد أن تتصدّع جدران الصبر في دواخلهم.
وكأنّ البكاء خُصِّص للضعفاء
وحُرِّم على من حُمِّلوا لقب الرجولة.
لكن السؤال الأصدق يبقى:
هل البكاء ضعف…؟
أم لحظة إنسانية خالصة يعلن فيها القلب أنه لم يعد قادرًا على الاحتمال أكثر؟
عندما يبكي الرجل
لا يبكي هزيمةً ولا عجزًا
بل لأن الألم تجاوز حدود الصمت.
يبكي لأنه خسر ما لا يُعوّض
أو شاهد ما لا يُحتمل
أو لأنه ظل طويلًا يحمل وجعه وحده دون أن يسمح لكبريائه أن يبوح.
خلف تلك الدموع تختبئ سنوات من الصبر ومعارك داخلية خاضها بصمت
وحين تفيض العينان
تكون الروح قد بلغت أقصى إرهاقها.
الرجل لا يتقن الشكوى ولا يجيد الاستنجاد.
تربّى على أن يكون السند لا المتكئ
وأن يُخفي انكساره حتى لا يتصدّع من حوله.
لذلك حين يبكي فهو لا يطلب شفقة
بل يبحث عن النجاة.
دموعه ليست صرخة ضعف
بل محاولة أخيرة ليبقى واقفًا.
كم من رجلٍ جلس في عتمة الليل يُخفي وجهه عن العالم
يرمم نفسه في صمتٍ شريف…؟
وكم من أبٍ ذرفت عيناه خوفًا على مستقبل أبنائه…؟
وكم من زوجٍ بكى خيبةً من زمنٍ قاسٍ لا يرحم القلوب
ولا يعترف بالجهد المبذول…؟
تلك الدموع لا تُرى
لكنها أثقل من أن تُحمل وأصدق من أن تُكذَّب.
في مجتمعاتٍ اعتادت أن تُكفّن الرجال بالصبر
أصبح البكاء تهمة
والدمعة فضيحة.
كأن الرجولة نقيض الإنسانية
وكأن القوة لا تكتمل إلا بالقسوة.
ولعلّ أصدق ما يُنصف دموع الرجال
أنها وجدت مكانها حتى في قلب سيد الخلق ﷺ
حين مات ابنه إبراهيم
فقال قولته الخالدة:
«إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن».
لم يرَ ﷺ في الدموع نقصًا
ولا في الحزن ضعفًا
بل جعلهما شهادة إنسانية على صدق المشاعر
ودليلًا أن البكاء لا يُسقط الهيبة
ولا ينتقص من الرجولة
بل يثبت أن الرحمة جزءٌ أصيل من القوة.
والحقيقة أن الدموع لا تفرّق بين رجل وامرأة
فكلنا بشر وكلنا نُكسر ونحتاج أحيانًا أن ننكسر قليلًا كي نُرمّم أنفسنا من جديد.
عندما يبكي الرجال تتعلّم الحياة درسًا عميقًا
أن القوة ليست في الجفاء
بل في الشجاعة على الاعتراف بالألم دون الانهيار.
وأن الرجولة الحقة لا تعني إنكار المشاعر
بل السيطرة عليها والتعافي بعدها.
دموع الرجال
إن نزلت لا تُطفئ رجولتهم.
بل تغسلها من غبار القسوة
وتُعيد لها معناها الإنساني النبيل.
وفي النهاية…
حين يبكي الرجل
لا ينتظر أن يراه أحد
ولا يريد تفسيرًا لدموعه.
يبكي لأنه تعب من التماسك
لأنه حُمل أكثر مما ينبغي
ولأن قلبه استُهلك حتى آخر نبضة صبر.
ثم يمسح دموعه
ويعود للحياة كأن شيئًا لم يكن
بينما في داخله حزنٌ لم يجد يومًا من يحتويه.
هكذا يبكي الرجال… بصمت
ويمضون تاركين وجعهم خلفهم
لا يُروى ولا يُشفى..
فعندما يبكي الرجال .. أعلم أن الهموم فاقت قمم الجبال !



