حين تضيقُ الأرض.. في رحابِ الطمأنينة والملاذ الآمن

بقلم: منيره لافي الحربي
في خضمّ ضجيج الحياة المتسارع، وبينما تتجاذبنا أمواج القلق وتحديات العيش، يبحث الإنسان بفطرته عن ركنٍ شديد يأوي إليه. تلك اللحظات التي تضيق فيها الأرض بما رحبت، ويعلو فيها صخب النفس الداخلي على كل ضوضاء العالم الخارجي، لا يطفئ لهيبها إلا نورٌ واحد؛ نورٌ لا ينطفئ مهما طال ليل المعاناة، إنه نور اليقين بالله.
إن علاقة الإنسان بخالقه تتجاوز مجرد العبادة الظاهرة؛ فهي “الملجأ” الحقيقي حين تتكسر المجاديف. ولعل أعمق ما في هذه العلاقة هو شعور العبد بأن ربه يعلم ما يخفيه أكثر مما يبوح به، ويسمع أنين روحه قبل أن ينطق لسانه، ويرى انكساره المخفي خلف ابتسامة متكلفة أمام الناس. إنها رحمة الاحتواء التي لا تشبه رحمة أي أحدٍ من البشر.
كم مرة يأتي الإنسان إلى محراب ربه مثقلاً بالهموم، حاملاً جبالاً من التعب، ليخرج بعدها خفيف الروح، مطمئن القلب، وكأن رسالة سماوية همست في أذنه: “لا تقلق.. أنا هنا”. هذه الطمأنينة ليست هروباً من الواقع، بل هي الزاد لمواجهته.
نحن في مناجاتنا لا نطلب حياةً خالية من الوجع، فتلك طبيعة الدنيا، لكننا نطلب قلباً لا يبتعد عن الله تحت وطأة هذا الوجع. لا نطلب طريقاً مفروشاً دائماً باليسر، بقدر ما نرجو “اليد” التي تمسك بنا حين نتعثر. فالتجربة الإيمانية علمتنا أن كل ما كان مع الله يظل آمناً ومحفوفاً بالسكينة، وكل ما ابتعد عنه يغدو هشاً قابلاً للكسر، مهما بدا قوياً في ظاهره.
إن جوهر الحب الإلهي يكمن في الثقة المطلقة؛ الثقة بأنه سبحانه لا يخذل عبده. فإن تأخر العطاء أدركنا أنها حكمة، وإن مُنع عنا ما نحب أيقنا أنه لطف، وإن ابتلينا بشدائد عرفنا أنه بابٌ للقرب. تعلمنا الأيام أن بعض الخسارات هي في حقيقتها نجاة، وأن بعض الدموع دعاءٌ صامت لم يسمعه غيره، وأن السكون الذي يعقب العاصفة هو رحمة خفية لا يدركها إلا المتأملون.
وحين يضيع منا الكلام، تكفينا طمأنينة أن القلوب مكشوفة لبارئها. إن ضعف يقيننا فهو المقوي، وإن نسينا فهو الذي لا ينسى. إنه حب من سلّم أمره، ووجد في القرب من الله كل ما عجز البشر عن تقديمه.
ختاماً، يبقى الدرس الأهم الذي نخرج به من مدرسة الحياة: أن الأمان ليس في كثرة من حولنا، ولا في تكديس الماديات، بل الأمان كله في القرب من الله. فاللهم ابقَ أنيساً في قلوبنا، وفي ضعفنا قبل قوتنا، وبك نكون، وبغيرك لا شيء.



