هل نحتاج إلى الآخرين لنثبت قيمتنا؟

 

بقلم: سمر الصباح

في رحلة الإنسان مع ذاته، يظل سؤال القيمة حاضرًا بإلحاح:

هل نحن بحاجة إلى تصفيق الآخرين لنشعر بأننا مهمون؟

وهل تُقاس قيمتنا بقدر ما نُرى ونُسمع ونُشاد بنا؟

منذ الصغر، نتعلم – دون وعي – أن القبول الخارجي هو بوابة الأمان. ننتظر كلمة الإعجاب، ونخشى نظرة الرفض، ونربط إنجازاتنا بميزان الآخرين، حتى ننسى أحيانًا أن القيمة الحقيقية لا تُمنح… بل تُكتشف.

المشكلة لا تكمن في التقدير ذاته، فالتقدير حاجة إنسانية طبيعية، بل في تحوّله إلى شرط. حين يصبح رضا الآخرين هو المعيار الوحيد، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بصدق، ونبدأ في تشكيل ذواتنا بما يناسب توقعاتهم لا بما يشبهنا.

كم من شخصٍ أرهق نفسه ليكون مقبولًا، لا لأنه مخطئ، بل لأنه صدّق أن الاختلاف نقص. وكم من حلمٍ تأجل أو مات لأن صاحبه كان ينتظر إشارة سماح من الخارج، بدل أن يمنح نفسه الإذن بالمضيّ.

القيمة الحقيقية لا ترتبط بعدد من يراك، بل بمدى انسجامك مع ما تفعل. لا تحتاج إلى جمهور لتكون صادقًا، ولا إلى تصفيق لتكون ناجحًا. يكفي أن تعرف لماذا اخترت هذا الطريق، وأن تمشيه بوعي، حتى وإن كان خاليًا من الشهود.

الاعتماد الكامل على الآخرين في إثبات القيمة يشبه الوقوف على أرض متحركة؛ ما إن يتغير رأيهم حتى تهتز صورتك عن نفسك. أما من بنى قيمته من الداخل، فهو ثابت، لا تُربكه المقارنات، ولا تُسقطه خيبات التوقع.

نحن لا نحتاج إلى الآخرين لنثبت قيمتنا، لكننا نحتاج إلى أنفسنا لنفهمها. نحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأننا كافون، حتى في الصمت، وحتى في الغياب، وحتى حين لا يرانا أحد.

وفي النهاية، حين تصالح الإنسان مع قيمته الداخلية، يصبح حضور الآخرين إضافة… لا إثباتًا، ويصبح الرضا الخارجي جميلًا، لكنه ليس شرطًا للحياة ولا معيارًا للنجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى