نجد العِذِيّة: من البداوة إلى النَّهضة

بقلم الكاتبة: نجاح لافي الشمري
الحدود الشمالية- رفحاء

نجد العِذِيّة تمثل قلب الجزيرة العربية، وكانت في الماضي أرضًا بدويةً يعيش أهلها حياةً تقليدية تعتمد على الرعي والزراعة البسيطة، وكانوا يتنقلون بين السهول والصحاري حسب الموارد الطبيعية والمواسم. هذه الحياة البدوية شكلت مجتمعًا قويًّا، متماسكًا، قائمًا على قيم الشجاعة والكرم والوفاء، وكانت القبائل فيها تحتفظ باستقلالها وتقاليدها، ما جعل نجد العِذِيّة أرضًا أصيلة وقوية الروح رغم بساطة العيش وصعوبة الظروف.

وكان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يرى في البَدْو جزءًا أصيلاً من هويته الوطنية، وقد عبّر عن هذا الانتماء قائلاً بفخر: “أنا من البَدْو”.وكان يعتز بالهوية البدوية ويفخر بها كثيرًا، فقد نشأ في بيئة نجدية بدوية تعلم فيها قيم الشجاعة والكرم والوفاء. لم يرَ البَدْو مجرد سكان صحاري، بل كانوا رمزًا للأصالة والقوة العربية،

مع صعود الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ نجد العِذِيّة. فقد رأى فيها قاعدةً صلبة لتوحيد الجزيرة العربية، فبدأ بحكمته وشجاعته رحلة توحيد القبائل والمناطق المتفرقة، مدعومًا بإيمانه العميق بالوحدة والاستقرار. قاد الملك عبد العزيز حملات ناجحة لتوحيد نجد وما حولها، وبفضل حكمته وحنكته السياسية استطاع تأسيس الدولة الحديثة على أسس العدل والنظام وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وبفضل جهوده، تحقق الحلم الذي انتظره الشعب العربي في الجزيرة العربية منذ عقود، وأصبح هناك وطن واحد موحد يُعرف باسم المملكة العربية السعودية. وقد عبر الملك عبد العزيز عن شكر الله وامتنانه لهذه النعمة في أبياته الشهيرة:
“نحمد الله جت على ما نتمنى، من وليّ العرش جزل الوهايب
خبّر اللي طامع في وطنّا ..دونها نثني إليا جت طلايب
هذه الأبيات تعبّر عن الشكر لله على تحقق أمنية توحيد البلاد وبناء الدولة، والفخر بقيادة مؤسس المملكة ثم استمرارها في نهضة وتطور.

ومن أقواله يرحمه الله..
البدو شركاؤنا في نهضة المملكة”
يوضح هذا القول مدى احترامه للبدو وحرصه على أن يكون لهم دور فاعل في بناء الدولة، مع الحفاظ على هويتهم وتقاليدهم.
“نحمد الله على ما وصلنا إليه من وحدة واستقرار”
من أبياته الشهيرة التي يعبر فيها عن امتنانه لله لتحقيق حلم توحيد الجزيرة العربية وتحويلها إلى وطن واحد مزدهر، وهو تعبير عن الرضا والفخر بما حققه أهل نجد والقبائل.

وهكذا، لم تكن هذه المرحلة مجرد توحيد سياسي، بل كانت نهضة حقيقية لشعب الجزيرة العربية، حيث انتقل من حالة الانقسام والتشتت إلى الأمن والاستقرار والتنمية، محافظًا على قيم الأصالة والهوية العربية الإسلامية التي ميزت نجد العِذِيّة منذ القدم.

وبذلك تحولت نجد العِذِيّة من أرض بدوية بسيطة إلى مركز تاريخي وسياسي للدولة السعودية الحديثة. أصبحت مركزًا للتعليم والتنمية والخدمات، مع الحفاظ على هويتها العريقة وقيمها الأصيلة. وقد كانت هذه العملية أساس قيام المملكة العربية السعودية، التي وحدت فيها كافة مناطق الجزيرة العربية تحت راية واحدة، لتنتقل من حياة البداوة إلى الدولة الحديثة المزدهرة.
نجد العِذِيّة، إذن، هي شاهد حي على رحلة التحوّل من حياة البداوة إلى بناء الدولة، وعلى الدور الفعّال للملك عبد العزيز في تأسيس المملكة وحفظ روح الجزيرة وهويتها الأصيلة.

وأهل نجد العِذِيّة محافظين على هويتهم الأصيلة، متجذرين في قيم الماضي، مما جعل أرضهم حلقة وصل بين الماضي والحاضر. وقد ساعد هذا الارتباط العميق بالتاريخ على خلق مجتمع متماسك، قادر على التكيف مع التغيرات دون أن يفقد هويته. فالنهضة التي قادها الملك عبد العزيز في نجد لم تكن سوى امتداد لهذه الأصالة، حيث جمعت بين التراث العريق والحضارة الحديثة، لتتحول أرض البداوة إلى مركز للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في المملكة العربية السعودية.

نجد العِذِيّة جسدت انتقال الإنسان من مرحلة البداوة إلى مرحلة الرؤية، من الصراع اليومي مع الطبيعة إلى القدرة على بناء دولة متحضرة تنبض بالأصالة والتاريخ.
تحولت هذه الصراعات من البداوة إلى رؤية مستقبلية

واليوم يواصل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان عراب رؤية حفظهم الله مسيرة النهضة والتقدم، ليس فقط كقادة سياسيين، بل كحماة لرؤية فلسفية تجمع بين ثقل الماضي وامتداد المستقبل. فالمملكة، بتراثها العريق، ليست مجرد أرض أو تاريخ، بل وعي مستمر يمتد عبر الزمن، يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ووطنه، بين الجذور والتطور، بين الأصالة والتجدد.
ورؤية المملكة 2030 ليست مجرد خطة اقتصادية أو اجتماعية، بل تجسيد لفلسفة التوازن: التمسك بالهوية والقيم الراسخة، مع الانفتاح على الحداثة والمعرفة. إنها رحلة الإنسان العربي نحو ذاته، حيث يصبح التاريخ والدين والعادات، والخطط المستقبلية، كلها عناصر متكاملة لتشكيل مجتمع قادر على الاستمرار والنمو دون أن يضيع من روحه الأصالة التي تربى عليها.
بهذه الرؤية، تظل المملكة على قلب الجزيرة العربية، نبضها مزيج من فخر الماضي ورؤية المستقبل، شاهدة على قدرة الإنسان على تحويل جذوره إلى قوة حية تدفعه نحو نهضة مستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى