تراتيل الشتاء و حكايا الدفء

إيمان سندي _ المدينة المنورة
حين يطرق الشتاء أبوابنا، لا يأتي وحيداً؛ بل يجيء محملاً بعبق الذكريات ورائحة الأرض المبلّلة، وكأنما السماء قررت أن تغسل أوجاع العالم بقطراتها.
يبدأ المشهد بتلك النسمة الباردة التي تداعب الوجوه، فتدفعنا للبحث عن ملاذٍ لا يقتصر على الصوف والحرير، بل يمتد لدفء الأرواح والكلمات.
في الشتاء، يرتدي العالم حلةً من الوقار.
الضوء يصبح خافتاً وحيِيًّا خلف غيوم رمادية، وكأن النهار يعلم أننا بحاجة إلى “استراحة محارب” من صخب الحياة.
خلف النوافذ الموشحة بالضباب، يقف المحبون يراقبون رقص المطر، يتنفسون الصمت الذي لا يكسره إلا صوت ارتطام القطرات بالزجاج، في مشهدٍ شاعري يجسد أسمى معاني السكينة.
الدفء في الشتاء ليس مجرد درجة حرارة، بل هو طقس متكامل:
دفء المكان: في تلك الزاوية من الغرفة، حيث يتصاعد بخار القهوة كأنه دخان بخور يطهر الروح.
دفء المعنى: في كتابٍ قديم نعيد قراءته، أو في أغنية فيروزية ترافق الصباحات المتثائبة.
دفء القلوب: وهو الأهم، ففي ليالي البرد القارصة، ندرك أن الكلمة الطيبة هي “معطف” لا يبلى، وأن الرفقة الصالحة هي المدفأة التي لا تنطفئ نارها.
الشتاء.. فصل التصالح مع الذات
يدعونا هذا الفصل لنخلع عنا حزننا باكراً، تماماً كما تخلع الأشجار أوراقها لتستعد لربيع قادم.
هو دعوة للجلوس مع الذات، والتفكر في سرّ هذا الكون، وللاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة التي نهملها في زحام الصيف؛ عصفور يبحث عن ملجأ، وردة صامدة في وجه الريح، وصوت فيروز يخبرنا أن “الشتوية” هي موعد اللقاء مع من نحب.
سلامًا لهذا الفصل الذي يعلمنا أن الجمال قد يكمن في قسوة البرد، وأن أثمن ما نملكه هو ذلك “الدفء الداخلي” الذي نصنعه بالحب، والهدوء، والرضا.



