لماذا نحتاج إلى تعليم مختلف لا أكثر محتوى؟

بقلم – جوهرة ردود الحارثي – معلمة فيزياء
في كل عام دراسي، يُضاف المزيد من المحتوى إلى المناهج، وكأن التحدي الحقيقي في التعليم هو نقص المعلومات، لا طريقة تقديمها. ومع تسارع المعرفة وتوفرها بضغطة زر، يبرز سؤال جوهري: هل نحتاج فعلًا إلى محتوى أكثر، أم إلى تعليم مختلف؟
من واقع التجربة التعليمية، تتضح مشكلة أساسية تتمثل في ازدحام المناهج بالمفاهيم، مقابل ضيق الوقت المخصص للفهم والتطبيق. فيخرج المتعلم محمّلًا بالمعلومات، لكنه يفتقد القدرة على توظيفها أو الربط بينها، مما ينعكس على دافعيته وثقته بنفسه.
إن التعليم المختلف لا يعني تقليل المحتوى بقدر ما يعني إعادة تنظيمه، والتركيز على المفاهيم الكبرى، وتنمية مهارات التفكير والتحليل، بدلًا من الاكتفاء بالحفظ والاسترجاع. فالمتعلم اليوم لا يحتاج من يخبره بالمعلومة، بل من يساعده على فهمها، وطرح الأسئلة حولها، واستخدامها في مواقف جديدة.
كما أن متطلبات المستقبل، في ظل رؤية المملكة 2030، تستدعي تعليمًا يبني المهارات لا الذاكرة فقط، ويُنمّي الإبداع، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، وهي مهارات لا تنمو في بيئة تعليمية مثقلة بالمحتوى وسريعة الإيقاع.
ومن هنا، فإن التحول الحقيقي في التعليم يبدأ من داخل الصف، حين يصبح المعلم ميسرًا للتعلم لا ناقلًا للمعرفة، وحين يُمنح المتعلم مساحة للتجربة والخطأ والاكتشاف. فالتعليم المختلف هو تعليم يصنع الفهم العميق، ويترك أثرًا طويل المدى، لا مجرد درجات مؤقتة.
ختامًا، لسنا بحاجة إلى مناهج أثقل، بل إلى ممارسات أذكى، لأن جودة التعليم لا تُقاس بكم ما ندرّسه، بل بعمق ما يتعلمه أبناؤنا.



