التدخل البشري بين الحركة والإذن

فايزة الثبيتي ـ جدة
في لحظات الفقد الأولى يتداخل السؤال بين ما هو رباني وما هو بشري. فالألم لا يهدأ بقدرة الإنسان، بل بسكينةٍ ينزلها الله على الروح فإذا استقرّت هدأ العقل ونطق:( إنا لله وإنا إليه راجعون) هناك يبدأ الصبر الحقيقي عند الصدمة الأولى حين يتجلّى التعافي كنفحةٍ إلهية تُعين القلب على الاحتمال ويأتي دور الإنسان فقط في أن يتهيأ لتلك السكينة ويستقبلها.
عندما تسأل نفسك :
كيف أذن للإنسان أن يرفع يده ؟
والجواب الذي تطرحه هو نفسه الجواب : لأن الله لم يشأ أن تُشل
سوف أتحدث عن الموضوع بفلسفتي ومن خلال قراءتي في الدين والتفاسير وقبل كل شيء سأكتب عبارة من أحد الأشخاص الذين أرسل لي وقال :
(التدخل البشري بفعل ذلك إلا بأمر من الله لو شاء أشل يدك ولم تتحرك فقولوا لي ماذا يفعل التدخل البشري ، وش يفعل في يد انسان شلت لا تتحرك مات الدم فيها)
1.الحركة الإرادية كـ فعل بشري ومشيئة إلهية في نقاط وهي :
يدك تتحرك بإرادتك وهذا هو التدخل البشري.
يدك تتحرك بمشيئة الله وهذا هو الإذن الرباني.
سؤالي لنفسي ولكم :
أيهما أولاً ؟ أيهما سبب ؟
إجابتي أنهما معاً وفي نفس الوقت لايوجد تناقض بينهما ولكن إرادتنا جزء من نظام أكبر وأنت وأنا وغيرنا مسؤول عنها
التدخل البشري ليس بديلاً عن المشيئة الإلهية بل هو تعبير عنها:
عندما تقول (إنّا لله وإنّا إليه راجعون) أنت الذي تحرك لسانك صحيح ؟
أنت الذي اخترت هذه الكلمات دون غيرها أنت الذي استحضرت معناها. كل ذلك بتدخل منك ولايمكن ان ننكره
لكن القدرة على النطق والهداية إلى هذه الكلمات والسلامة في اللسان كلها من الله. وهذا قدرة إلاهية
التدخل البشري هنا:
هو الاستجابة الواعية والاختيار الإرادي والتحويل من حالة سلبية إلى فعل إيجابي.
٣. (الروح تلج) نعم لكن من يفتح الباب؟
(للتعافي النفسي الهام رباني به ينزل الرب على العبد السكينه فتلج الروح واذا ولجت الروح هدئت واذا هدئت يأمرها العقل بنطق قوله تعالى ( انا لله وانا اليه راجعون ) لتستقر وتلزم الصمت فتحتسب وهذه اول مراحل الصبر ولذا ( الصبر عند الصدمة الأولى ).
أنت تصف عملية روحية نفسية بديعة: سكينة تنزل روح تلج عقل يأمر لسان ينطق هذا تمام ولا غبار عليه
لكن من الذي يقرر أن يستقبل السكينة؟ من الذي يفتح قلبه للروح؟ من الذي يسمح لعقله أن يتخذ هذا القرار؟
هذا هو التدخل البشري: الاستعداد، الانفتاح، القابلية.
سوف أعطيكم تشبيه عملي واضح :
الزرع: الله خلق التربة والماء والبذرة والقوانين الطبيعية.
الزارع: هو الذي حرث، وزرع، وسقى، وحصد.
النتيجة: محاصيل لا تكون إلا بفضل الله ومن خلال جهد البشر.
سوف أشرح الموضوع من ناحية شلل اليد الذي استشهدت به من خلال نقاشنا
لو شاء الله أن تشلّ اليد فهذا من قدرالله والحمدلله لكن التدخل البشري يتحول هنا إلى:
الصبر على البلاء (وهو فعل إرادي)
التكيّف باستخدام اليد الأخرى أو الأدوات
العلاج الطبي (وهو سعي بشري)
تفسير المعنى من وراء هذا البلاء (وهو عمل عقلي روحي)
( الصبر عند الصدمة الأولى ). نعم لابد من الصبر ولكن متى ؟ وكيف ؟
هل تعلم أن هذا الصبر نفسه فعل بشري إرادي حتى لو كان نابعًا من سكينة ربانية لماذا ؟
الإنسان هو الذي يقرر أن يصبر هو الذي يختار أن ينطق بالذكر هو الذي يبذل الجهد لكبح رد الفعل الانفعالي الأولي.
الله سبحانه وتعالى يهب السكينة لكن الإنسان هو الذي يفتح لها باب القلب.
الله سبحانه وتعالى يخلق القدرة لكن الإنسان هو الذي يحرك اليد.
الله سبحانه وتعالى يعطي العقل لكن الإنسان هو الذي يأمره بأن يفكر ويستجيب.
هل هذا يعني أن التدخل البشري (ثانوي)؟
الجواب : لا طبعاً بل هو ضروري لتحقيق الحكمة الإلهية في الكون.
الله سبحانه خلق الإنسان فاعلاً مختاراً وجعل الأجر على الأفعال والثواب على الصبر والحكمة على التفكر.
فلا تناقض بل تكامل: مشيئة تعلو وإرادة تتحرك في إطارها

