أيها المربي… اصنع ذكرى لا تغيب

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد
– حين يفتّش الإنسان في خزائن ذاكرته، ويقلب صفحات عمره باحثًا عن لحظة مضيئة أو معنى عالق في الروح، تتقدّم أيام الدراسة بلا استئذان، كأنها أول ما يلوح في الأفق. تعود التفاصيل كما لو أنها لم تغادر: فصول، مقاعد، سبورة، وصوت مربيٍ لم يكن يدري أنه يزرع أكثر من درس… كان يزرع أثرًا.
تلك الذكريات لم تكن مصادفة، ولم تكن عابرة، بل كانت صناعة دقيقة، بطلها الأول العلم، وركيزتها الأهم المربي. هو من رسم الوجدان قبل أن يشرح المنهج، وغرس القيم قبل أن يلقّن الحروف، وبنى الإنسان قبل أن يقيّم الإجابة. لذلك لا نعجب حين تلهج الألسن بالدعاء لهم، وتخفق القلوب بحبهم، فالسؤال هنا ليس: لماذا هذا التأثير؟ بل: كيف لا يكون؟
أصحاب الأثر وحدهم هم الأحياء حقًا، حتى وإن غيّبهم الثرى. يبقون في الذاكرة، ويسكنون القلوب، ويُستعاد حضورهم كلما أزهرت قيمة أو نضج موقف أو نجح تلميذ. يموت الناس، وتبقى آثارهم شاهدة عليهم، فمن زرع فكرة صالحة، أو أيقظ موهبة، أو احتوى روحًا صغيرة، فقد كتب لنفسه حياة أخرى لا تعرف الفناء.
يا أيها المربون الفضلاء، أنتم حملة أمانة لا تُقاس بساعات الدوام ولا بصفحات المقررات. أنتم صُنّاع ذاكرة، ومهندسو وجدان، وأثرُكم أعمق من أن يُرى وأبقى من أن يُنسى. فلا تستصغروا كلمةً قلتموها، ولا موقفًا احتويتم به طالبًا، ولا علمًا أورثتموه، فكل ذلك مدّخر عند الله، ومزروع في القلوب إلى أن يشاء الله.
استعينوا بالله، وأخلصوا النية، واصنعوا ذكرى جميلة… ذكرى تبقى، كما تبقى الشمس في كبد السماء، لا تغيب



