المدح في غير موضعه… حين يُوزَّع الثناء بميزانٍ مختلّ

بقلم : صالح الصواط – مكة المكرمة
في الأصل، خُلق المدح ليكون إنصافًا للجهد وتقديرًا للعطاء، غير أن الواقع كثيرًا ما يكشف عن صورة مغايرة، حين يُمنَح الثناء لأشخاص دون غيرهم، لا لتميّزٍ قدّموه، بل لمكانةٍ اجتماعية أو نفوذٍ مالي، فيتحول المدح من قيمة عادلة إلى امتياز طبقي.
في بعض البيئات، لا يُقاس الاستحقاق بما أُنجز، بل بمن يملك الصوت الأعلى أو الاسم الأثقل أو الرصيد الأوسع. فيُحتفى بأشخاص لأنهم ينتمون إلى طبقات غنية أو دوائر نافذة، بينما يُهمَّش آخرون قدّموا جهدًا حقيقيًا، لأنهم لا يملكون ذات الظهور أو العلاقات. وهنا، لا يكون الخلل في غياب الكفاءات، بل في اختلال ميزان التقدير.
هذا النوع من المدح الانتقائي يزرع فجوة صامتة بين الناس؛ يُغذّي شعور الإقصاء لدى المجتهدين، ويُكرّس قناعة خاطئة بأن التقدير لا يُنال بالعمل، بل بالمكانة. ومع الوقت، يفقد المدح معناه، ويغدو أداة تمييز لا وسيلة تحفيز، فيتراجع الحافز، وتبهت روح المنافسة الشريفة.
ويزداد المشهد قتامة حين يُمنَح المدح بدافع المصلحة والتقرب، لا تقديرًا للإنجاز ولا اعترافًا بالجهد، بل بحثًا عن منفعةٍ مؤجلة أو مكسبٍ قريب. عندها تتحول الكلمات إلى جسور عبور، لا إلى شهادات حق، ويصبح الثناء عملةً تُتداول بحسب الحاجة، لا بحسب الاستحقاق.
وليس النقد هنا موجّهًا للغنى أو الثراء بحد ذاته، فالقيمة لا تُقاس بالمقدار، وإنما بالسلوك والأثر. إنما الإشكال حين يُقدَّم المدح بوصفه مجاملة للطبقات، لا اعترافًا بالإنجاز، وحين يُحجب الثناء عمّن يستحقه فقط لأنه لا ينتمي إلى دائرة الضوء.
إن المجتمعات التي تنشد العدالة، تُعيد النظر في طريقة توزيع كلماتها قبل مكافآتها، وتدرك أن المدح العادل هو أول أشكال الإنصاف. فحين يُمنَح الثناء لكل من يستحقه، دون تمييزٍ بين غني وفقير، أو مشهور ومغمور، عندها فقط يستقيم المعنى، ويستعيد المدح مكانته بوصفه شهادة حق لا وسام مجاملة.
فالعدل في الكلمة هو بداية العدل في القيم، وحين يُنصف المدح، تُنصف النفوس، ويعلو شأن العمل فوق كل اعتبار.



