شعبان..شهر الاستعداد الصامت: حين تُدار المراحل التي لا يراها أحد

ريم المطيري
تميل الأضواء دائمًا إلى المواسم الكبرى، حيث الذروة وكثافة الأحداث، بينما تتوارى خلفها مرحلة أقل حضورًا في المشهد وأكثر تأثيرًا في النتائج. وشهر شعبان يأتي كل عام بوصفه هذه المرحلة الفاصلة؛ زمنٌ هادئ بين ما اعتدناه وما نستعد له، وكان النبي ﷺ يعتني به لأنه شهر تهيئةٍ لا استعراض، واستعدادٍ لا ضجيج.
شعبان ليس شهر احتفاء، بل شهر مراجعة. فيه يُعاد ضبط الإيقاع، وتُستدرك الفجوات، وتُختبر الجاهزية قبل أن تبدأ المواسم الثقيلة. ولهذا لم يكن شهر مظاهر، بل مساحة عمل داخلي، تتقدّم فيها النية على الإعلان، ويُقدَّم فيها الإعداد على الظهور.
وفي هذا التوقيت تحديدًا، يلحظ المتابع للشأن العام حضورًا متكررًا لأخبار الاستعداد ورفع الكفاءة واكتمال الخطط. قد تبدو هذه الأخبار روتينية، لكنها تعكس من حيث المضمون فهمًا مؤسسيًا ناضجًا: أن النجاح لا يُدار عند لحظة الحدث، بل يُصنع قبلها. وهو المعنى ذاته الذي يمنح شعبان خصوصيته؛ إذ لا يُقاس بما يظهر فيه، بل بما يُبنى خلاله.
تمثّل هذه المرحلة — على المستوى المؤسسي — زمن التوازن قبل الضغط: تدريب الفرق، اختبار الأنظمة، مراجعة الإجراءات، وتوحيد الرسائل. أعمال لا تصنع عنوانًا، لكنها تمنح المواسم اللاحقة استقرارها. ففي مثل هذه الفترات تُقاس كفاءة المؤسسات بقدرتها على العمل بهدوء، لا بسرعة الاستجابة فقط.
ومن منظور الاتصال المؤسسي، تُعد هذه المرحلة الأهم؛ إذ تتشكل فيها الصورة الذهنية قبل أن تتعرض للاختبار العلني. فالصورة لا تُبنى في ذروة الحدث، بل تُختبر في ما يسبقه. وحين ينسجم السلوك الداخلي مع ما يُراد تقديمه للخارج، يصبح الأداء الميداني امتدادًا طبيعيًا لقيم المؤسسة، لا ردّة فعل مؤقتة لموسم عابر.
ولا يقتصر هذا الاستعداد على الجوانب التنظيمية أو التقنية، بل يمتد إلى البعد الإنساني الذي يمنح العمل المؤسسي معناه الحقيقي. فالتجربة التي سيعيشها الناس لاحقًا تبدأ من هنا: من وعيٍ بالتفاصيل، ومن إدراكٍ بأن الإنسان هو محور كل خدمة، وأن جودة الأداء في الأوقات الهادئة هي ما يصنع الطمأنينة في أوقات الازدحام.
إن المؤسسات التي تنجح في مواسم الذروة هي تلك التي تحترم مراحل ما قبلها. لا تؤجل العمل إلى حين الضغط، ولا تكتفي بالتفاعل عند الحدث، بل تُراكم الجهد بهدوء، وتبني الثقة قبل أن تُختبر. ولهذا فإن كثيرًا من النجاحات التي يُحتفى بها لاحقًا، تعود في أصلها إلى مرحلة صامتة مثل شعبان.
قد لا يحظى هذا الشهر بعناوين لافتة، لكنه — لمن يقرأ المشهد بعمق — مرحلة حاسمة. فيه تُهيّأ القلوب قبل أن تُطالَب، وتُضبط النيات قبل أن تُعلن الأعمال، ويُقاس الاحتراف — فرديًا ومؤسسيًا — بالقدرة على الاستعداد حين لا يطالب أحد بالتصفيق.
فالنجاح الذي يُحتفى به في رمضان..يبدأ من وعي شعبان، ومن صق ما يُبنى فيه بهدوء.



