التواصل المؤسسي كقوة خفية: كيف تُصنع الشراكات المجتمعية؟

بقلم المهندس: عبدالله بن علي الكعبور
غالبًا ما يُنظر إلى الشراكات المجتمعية على أنها نتاج اتفاقيات رسمية أو مذكرات تفاهم تُوقّع في لحظة محددة، بينما الحقيقة الأعمق أن الشراكات الناجحة تبدأ قبل ذلك بوقت طويل، وتتشكل في مساحة غير مرئية تُعرف بالتواصل المؤسسي.
فالتواصل المؤسسي، في صورته الحديثة، لم يعد مجرد أداة لنقل الرسائل أو تحسين الصورة الذهنية، بل أصبح منظومة تفكير استراتيجي قادرة على استشراف الفرص، وتهيئة البيئة المناسبة لبناء شراكات مجتمعية حقيقية ذات أثر مستدام.
ما لا يُقال عن الشراكات
يركّز الخطاب الشائع حول الشراكات المجتمعية على النتائج والاتفاقيات، بينما يغيب السؤال الأهم:
لماذا تختار جهة ما أن تتشارك مع مؤسسة دون غيرها؟
الإجابة لا تكمن فقط في الإمكانيات أو السمعة، بل في مجموعة عوامل متراكمة، أبرزها وضوح الخطاب المؤسسي، ومصداقية الرسائل عبر الزمن، وقدرة المؤسسة على التعبير عن قيمها بلغة يفهمها المجتمع ويتفاعل معها.
وهنا يظهر دور التواصل المؤسسي بوصفه مهندسًا للثقة، لا مجرد ناقل للمعلومات أو الأخبار.
التواصل المؤسسي كنظام إنذار مبكر
من الأدوار غير المطروقة للتواصل المؤسسي دوره كنظام إنذار مبكر قادر على التقاط التحولات المجتمعية، وفهم احتياجات القطاعات المختلفة، ورصد الفجوات بين ما تقدمه المؤسسة وما ينتظره المجتمع منها.
وعندما يُدار هذا الدور بوعي واحتراف، تتحول وحدة التواصل المؤسسي إلى منصة تلتقي فيها المصالح، وتُصاغ من خلالها مبادرات الشراكة قبل أن تتحول الحاجة إليها إلى ضغط أو ضرورة ملحّة.
من العلاقات العامة إلى إنتاج القيمة المشتركة
الفرق الجوهري بين التواصل التقليدي والتواصل المؤسسي الاحترافي يتمثل في الانتقال من إدارة العلاقات إلى إنتاج القيمة المشتركة. فالشراكات المجتمعية الناجحة لا تقوم على المجاملة أو الحضور الشكلي، بل على وضوح الأثر وتكامل الأهداف.
وفي هذا السياق، يصبح التواصل المؤسسي مسؤولًا عن صياغة قصة الشراكة، وربط أهداف المؤسسة بأهداف شركائها، وتحويل المبادرات إلى سرديات ذات معنى اجتماعي يشعر بها المجتمع ويتفاعل معها.
المؤسسات التعليمية نموذجًا تطبيقيًا
يتضاعف دور التواصل المؤسسي في المؤسسات التعليمية والتدريبية، باعتباره الجسر الذي يربط التعليم بسوق العمل، والتدريب بالاحتياج الحقيقي، والمخرجات التعليمية بالمسؤولية المجتمعية.
ومن خلال هذا الجسر، لا تُبنى الشراكات بوصفها خيارًا إضافيًا، بل كجزء أصيل من منظومة التنمية المحلية، تسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على التفاعل مع واقعها والمشاركة في تطويره.
الخلاصة
التواصل المؤسسي ليس واجهة إعلامية، بل بنية تحتية غير مرئية تصنع الفارق بين مؤسسة تبحث عن شراكات، وأخرى تُطلب للشراكة. وكلما نضج هذا الدور، تحولت الشراكات المجتمعية من اتفاقيات مؤقتة إلى علاقات مستدامة تُنتج أثرًا يتجاوز حدود المؤسسة نفسها.
رئيس وحدة الاتصال المؤسسي بالكلية التقنية بالدمام
@Eng_Abdullah_KR



