فضل السعي في حوائج الناس

 

بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

حين تتدفّق نعمُ اللهِ ربِّ العالمين على عبدٍ من عباده، فإنها لا تأتي عبثًا، ولا تُمنح جزافًا، بل تُلقى في يديه أمانةً قبل أن تكون تشريفًا، واختبارَ شكرٍ قبل أن تكون تفضيلًا. فمن كثرت نعمُ اللهِ ربِّ العالمين عليه، كثرت – تبعًا لذلك – حوائجُ الناس إليه، وكأن الأقدار تهمس في روعه: هنا موضعُ العطاء، وهذا بابٌ من أبواب القُرب إلى الله سبحانه وتعالى.

وليس ازديادُ حوائج الناس دلالةَ مشقّة، كما يظنّ البعض، بل هو علامةُ ثقةٍ من الله ربِّ العالمين، واختيارٌ خفيّ لأداء دورٍ أعظم في الحياة؛ دورِ القادر الذي لم يُخلَق ليستأثر، بل ليُؤثِر، ولم يُعطَ ليحتجز، بل ليبذل. فالنِّعم حين تُحبس عن مقاصدها، تتحوّل من رحمةٍ إلى محنة، ومن فضلٍ إلى عبءٍ ثقيل على القلب والضمير.

وإن القيام بحقِّ الله سبحانه وتعالى في النِّعم لا يقتصر على الحمد باللسان، ولا على الاعتراف القلبي فحسب، بل يتجلّى في تحويل تلك النِّعم إلى وسائل نفع، ومسالك خير، وأبواب رحمةٍ تُفتح للناس. فحين يُسخِّر العبد ما آتاه الله ربُّ العالمين في قضاء الحوائج، وتفريج الكُرَب، وإغاثة الملهوف، فإنما يؤمِّن لنعمته أسباب البقاء، ويعرضها لبركة الدوام، ويجعلها محفوظةً بعناية الله سبحانه وتعالى.

وعلى النقيض من ذلك، فإن النِّعم التي لا تُؤدَّى زكاتُها المعنوية، ولا تُصرَف في وجوهها الصحيحة، تكون مُعرَّضة للزوال، ولو طال بها الأمد. فكم من نعمةٍ عظيمةٍ ذهبت حين ظنّ صاحبها أنها خالدة، وكم من رزقٍ واسعٍ ضاق حين أُغلِق بابه في وجوه المحتاجين. فالشكرُ سياجُ النِّعم، والعطاءُ روحُها، وإذا فُقِد السياجُ والروح، لم يبقَ للنعمة معنى ولا أثر.

والساعي في حوائج الناس لا يخسر شيئًا، بل يربح كلَّ شيء؛ يربح طمأنينةَ القلب، وسعةَ الصدر، ودعوةَ الصادقين في الخفاء، قبل أن يربح الأجر العظيم عند الله ربِّ العالمين. فكلُّ خطوةٍ تُخطى في طريق قضاء حاجة، هي في حقيقتها خطوةٌ نحو الله سبحانه وتعالى، وكلُّ تعبٍ يُبذل في خدمة الخلق، هو زادٌ يدّخره العبد ليومٍ هو أحوجُ ما يكون فيه إلى الحسنة الواحدة.

وإلى جانب هذا الأجر الأخروي، يكتسب الساعي مكاسبَ دنيويةً عظيمة؛ فيُبارك له في وقته وصحته، وتتّسع دائرة محبته واحترامه، ويكسب وُدَّ القلوب، وهي أثمنُ من كل كنز.

إن أعظم النِّعم تلك التي تتحوّل إلى جسورٍ للخير، لا أسوارٍ للعزلة، وإلى أبواب أجرٍ مفتوحة، لا مرايا للفخر والعلو. فليس الغنى فيما نملك، بل فيما نُعطي، وليس الشرف في كثرة النِّعم، بل في حسن توظيفها، وليس البقاء في دوام المال، بل في دوام الأثر.

وهنا يتجلّى الحكمُ الإلهي البالغ:

من أصلح ما بينه وبين الله ربِّ العالمين، أصلح الله ما بينه وبين الناس، وحفظ عليه ما آتاه، وبارك له فيه، وزاده من فضله ما لا يخطر له على بال.

فطوبى لعبدٍ جعل نعمَ الله ربِّ العالمين طريقًا إلى رضاه، وسلّم بها مفاتيح الخير، وسعى بها في حوائج الناس، فكان سببًا في إسعاد قلوبهم، وسببًا في رفعة درجته، وبقاء أثره، وحسن خاتمته.

#فضل_السعي_في_حوائج_الناس

#قضاء_الحوائج

#نعم_الله

#العطاء_بركة

#الخير_أسلوب_حياة

#سخاء_القلوب

#العمل_الإنساني

#الإحسان

#بركة_الرزق

#زكاة_النعم

#طريق_الخير

#وعي_إيماني

#أثر_باقي

#قلم_عثماني

#خواطر_إيمانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى