من العراق إلى رفحاء والشمال: حكاية ثقافة عربية

بقلم الكاتبة:نجاح بنت لافي الشمري
الحدود الشمالية ـ رفحاء
شكّل العراق والشمال العربي عبر العصور مركزًا لحضارات إنسانية عظيمة، كان لها أثر بالغ في تاريخ المنطقة وثقافتها. فالعراق يُعد مهد الحضارات الأولى، حيث قامت على أرضه حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، وأسست مفاهيم العمران، والكتابة، والتنظيم الاجتماعي. وفي الشمال العربي ازدهرت حضارات متعاقبة ارتبطت بالبيئة الصحراوية وشبه الصحراوية، واعتمدت على طرق التجارة والتنقل، مما جعلها حلقة وصل بين العراق وبلاد الجزيرة العربية.
ويأتي درب زبيدة شاهدًا حيًا على هذا الترابط الحضاري، إذ كان طريقًا تاريخيًا مهمًا يربط العراق بالحجاز، وساهم في تنشيط الحركة التجارية والثقافية والدينية. لم يكن درب زبيدة مجرد مسار للحج، بل شبكة حضارية متكاملة، أقيمت على امتدادها البرك والآبار ومحطات الاستراحة، مما يعكس تقدمًا هندسيًا وتنظيميًا يعبر عن وعي حضاري عميق.
وقد أسهم هذا الطريق في تعزيز التواصل بين حضارات العراق والشمال، فانتقلت عبره الأفكار والعادات واللغة، وتداخلت الثقافات، لتتشكل هوية مشتركة قائمة على التفاعل والتأثير المتبادل. وهكذا ظل درب زبيدة رمزًا لوحدة الجغرافيا والثقافة، ودليلًا على أن الحضارة تُبنى بالتواصل، لا بالانعزال.
و لم تكن العلاقة بين العراق ورفحاء والشمال علاقة مكانٍ بآخر فحسب، بل كانت حكاية ثقافةٍ وحضارةٍ وإنسان، امتدت عبر الزمن، وحملتها الذاكرة قبل أن تحملها الخطوات. فالعراق، بعمقه الحضاري وتاريخه الضارب في القدم، لم يكن مجرد أرض، بل كان مدرسة ثقافية أثّرت وتأثّرت، وترك بصمته الواضحة في المجتمعات التي جاورته وتفاعلت معه.
هذه الحضارة لم تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل عبرت مع الإنسان بعاداته ولهجته وقيمه،
أما الروابط التي جمعت العراق برفحاء والشمال، فهي روابط إنسانية قبل أن تكون تاريخية. روابط نسب وقبيلة، تجارة وتنقّل، ومصالح مشتركة، عززت التقارب والتداخل الثقافي. فكان الإنسان هو الناقل الحقيقي للحضارة، يحفظها في سلوكه، وينقلها في حديثه، ويورثها للأجيال.
إن ثقافة العراق في رفحاء والشمال تمثل نموذجًا حيًا للتفاعل الحضاري، حيث تلتقي الأصالة بالاستمرارية، وتتشكل هوية مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل والانتماء العربي الواحد. وهي حكاية تؤكد أن الثقافة لا تُمحى، وأن الحضارة الحقيقية تعيش في الناس، وتبقى ما بقيت القيم والذاكرة.
والحضارات لا تُقاس بعمرانها فقط، بل بما تتركه من أثرٍ في وعي الإنسان وسلوكه. فالفلاسفة يرون أن الحضارة هي الذاكرة الحيّة للأمم، وأن الثقافة هي الروح التي تمنح هذه الذاكرة معناها واستمراريتها. وكل حضارة لا تستمر بالفعل العسكري أو الاقتصادي، بل بالفكرة التي تحملها والقيم التي تبثها في محيطها.
ومن هذا المنطلق، تمثل بغداد أكثر من مدينة في التاريخ؛ فهي فكرة حضارية. منذ عصور الصحابة، ثم في العصر العباسي، كانت بغداد مركزًا للعلم والفلسفة والترجمة والحوار بين الثقافات. فيها تلاقحت عقول المسلمين وغيرهم، ومنها انتقلت المعرفة شرقًا وغربًا، حتى أصبحت رمزًا لدور العقل في بناء الحضارة. بغداد لم تكن حاضرة سياسية فقط، بل كانت ضميرًا ثقافيًا للأمة.
ويرى الفلاسفة أن الدور القادم لأي حضارة لا يكون بالعودة إلى الماضي كما هو، بل بإعادة قراءة هذا الإرث وتفعيله في الحاضر. فثقافة بغداد، بما تحمله من عقلانية، وانفتاح، وتقدير للعلم، قادرة على أن تكون أساسًا لنهضة جديدة إذا استُحضرت بروح معاصرة.
أما عند أهل الشمال، فإن هذه الثقافة تمثل امتدادًا للهوية العربية والإسلامية المشتركة. فهي حاضرة في تقدير العلم، واحترام الحكمة، والاعتزاز بالتاريخ، وفي الشعور بأن بغداد كانت ولا تزال جزءًا من الوجدان الجمعي. ثقافة العراق وبغداد عند أهل الشمال ليست ثقافة بعيدة، بل إرثًا متصلًا تشكّل عبر طرق التواصل، والتجارة، والعلم، فصار جزءًا من الوعي والذاكرة.
وهكذا، فإن الحضارة ليست زمنًا مضى، بل مسؤولية قادمة. والثقافة ليست ماضيًا يُحكى، بل معنى يُعاش، وبغداد ستبقى رمزًا لما يمكن أن تصنعه الفكرة حين تتقدّم على القوة.
وفي هذا السياق، يبرز دور المملكة العربية السعودية بوصفها حاضنة لهذا الامتداد الثقافي العربي، وراعيةً لإحياء الإرث الحضاري وتعزيزه. فقد أولت المملكة اهتمامًا كبيرًا بحماية المواقع التاريخية، وإحياء طرق الحج التاريخية كدرب زبيدة، وربطها بالهوية الوطنية والثقافية. كما أسهمت المبادرات الثقافية والتنموية في مناطق الشمال ورفحاء في تعزيز الوعي بالتراث المشترك، وتحويله من ذاكرة تاريخية إلى قيمة حيّة تُدرّس، وتُوثّق، وتُمارس.
إن دور المملكة لا يقتصر على حفظ الماضي، بل يتعدّاه إلى بناء حاضر ثقافي واعٍ، يربط الإنسان بجذوره، ويمنحه أدوات الفهم والانتماء، ويؤكد أن الثقافة العربية ليست إرثًا ساكنًا، بل مشروعًا متجددًا يعزز الوحدة، ويصون الهوية، ويفتح آفاق المستقبل.



