اعتراف أخير

بقلم الإعلامي/ صالح المحجم
أحياناً لا نكتب لأننا بخير بل لأننا نحاول أن نبقى واقفين رغم الانكسار نكتب عن القوة لنقنع أنفسنا أننا ما زلنا قادرين على الاحتمال
ونكتب عن التجاوز لأننا لم نتجاوز بعد
ونكتب عن الهدوء بينما في داخلنا عاصفة لا تهدأ
الكلمات تصبح قناعاً أنيقاً نخبئ خلفه التعب ونعلّق عليه وجهاً آخر لا يشبه الحقيقة تماماً لكنه يساعدنا على التنفس
نكتب لأن البوح في الصدر ثقيل ولأن الصمت حين يطول يتحول إلى وجع
نكتب كي نرتّب فوضى المشاعر ونسمي الأشياء بأسمائها حتى لا تضيع داخلنا
نكتب عن النسيان ونحن نحفظ أدق التفاصيل عن الرحيل ونحن ما زلنا واقفين على أبواب الذكريات عن الشفاء ونحن نتحسس جراحاً لم تلتئم الكتابة ليست دائماً شجاعة أحياناً هي آخر محاولة للنجاة
وهناك الكثيرون يقولون نحن معجبين بما تخط أناملك أستاذ صالح من مقالات وخواطر
ولكنهم لا يعلمون أنها ليست حروفاً عابرة بل تجاربي التي عشتها ونقلتها بحبر دمي ووجعي وسهري وانكساراتي
لم أكتبها للزينة بل كتبتها لأنني كنت أختنق وأبحث عن نافذة هواء وسط هذا الزحام من الألم
كم مرة قرأ الناس كلمات قوية وقالوا ما أجرأ صاحبها ولم يعلموا أن خلفها قلباً يرتجف
وكم مرة صفقوا لعبارات صلبة بينما كاتبها كان يتكئ على التعب نحن بارعون في تجميل الألم في تحويل الدموع إلى دموع مستعاره
والخذلان إلى جمل منمقة لأن الحقيقة العارية موجعة أكثر مما نحتمل
نكتب لأننا نخاف أن نعترف بصوت عال فنترك الحروف تعترف بالنيابة عنا نضع فيها أوجاعنا ونرسلها للناس على هيئة حكمة أو خاطرة أو نص عابر بينما هي في حقيقتها رسالة استغاثة هادئة لا يسمعها إلا من ذاق نفس الوجع
وفي كل مرة أمسك القلم أظن أنني أكتب عن الآخرين ثم أكتشف أنني كنت أكتب عن نفسي طوال الوقت أكتب عن قلب مكسور لأن قلبي مشروخ وعن انتظار طويل لأنني عالق في محطة لا يأتيها القطار وعن أمل بعيد لأنني أحتاجه كي لا أسقط.
ختامًا
لا تصفقوا لكلماتي كثيراً ولا تمدحوا قلمي
ولا تقولوا ما أصدق ما يكتب المحجم
لأن الحقيقة أبشع مما تتخيلون
أنا لا أكتب لأبدع أنا أكتب لأبقى حيّاً
أكتب لأن في صدري جنازة مشاعر تمشي كل يوم بلا مشيعين
أكتب لأنني لو سكت لحظة واحدة سأسقط أمام نفسي قبل أن أسقط أمامكم
فحين تقرؤون حروفي وتظنونها قوة تذكروا أن خلفها رجل يحارب وحده
ويبتسم لكم كي لا تروا دماره.



