حين يصبح الرحيل قدرًا داخليًا: قراءة نقدية في رواية «سماء مغادرة»

جدة – ماهر عبدالوهاب
تأتي رواية «سماء مغادرة» للكاتبة منال رضوان بوصفها نصًا سرديًا ينحاز إلى الباطن الإنساني أكثر من انحيازه للحكاية التقليدية. فهي لا تُبنى على تصاعد الأحداث بقدر ما تتشكّل عبر تحوّلات الشعور وتقلّبات الوعي، حيث يصبح الأثر النفسي للوقائع أهم من الوقائع ذاتها.
في هذا العمل، لا تُفهم المغادرة كحركة انتقال من مكان إلى آخر، بل كمسار داخلي شاقّ في طبقات النفس. السماء التي يغادرها الأبطال ليست فضاءً مكانيًا فحسب، بل نظامًا من القيم والذكريات والعادات التي تحوّلت تدريجيًا من مصدر للأمان إلى عبء ثقيل. وهكذا تتبدّى الرواية كمحاولة للتحرّر الذاتي قبل أي تحرّر خارجي.
تعتمد اللغة أسلوبًا مكثّفًا ومقتصدًا، بعيدًا عن الزينة البلاغية، أقرب إلى الكشف منها إلى الاستعراض. الجُمل قصيرة، والإيقاع متوتّر أحيانًا، بينما يترك الصمت بين الأسطر مساحة للقارئ كي يشارك في بناء المعنى. هذا التخفّف من الزخرفة يمنح النص صدقه وطاقته التعبيرية.
أما المدينة، فتتحوّل إلى كيان نابض بالحياة، يحمل ذاكرة المكان وضغط الماضي معًا. ليست مجرد خلفية للأحداث، بل شريك في تشكيل التجربة الشعورية للشخصيات، بما تحمله من رموز معمارية وتاريخية تستدعي الحنين وتؤجّج الرغبة في الانفصال. وفي هذا التوتر بين التعلّق والجنوح نحو الرحيل تتكوّن دراما الرواية العميقة.
الشخصية المحورية لا تُقدَّم في صورة بطولية أو خطابية، بل بوصفها كائنًا هشًّا، متردّدًا، يراوح بين الخوف والرغبة في الخلاص. قوّتها تكمن في صراحتها مع ذاتها، لا في قدرتها على الحسم. وهذا ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يجعل القارئ يرى فيها مرآةً لتجربته الخاصة وأسئلته المؤجَّلة.
الرواية لا تتبنّى خطابًا مباشرًا حول الحرية أو القهر، بل تترك أفكارها تتسرّب بهدوء، واثقةً بقدرة القارئ على التأويل. الأسئلة تظل مفتوحة، لأن الحياة نفسها لا تمنح إجابات نهائية. فالمغادرة هنا ليست نهاية، بل بداية لمسار محفوف بالاحتمالات والمخاطر.
بهذا المعنى، تنتمي «سماء مغادرة» إلى سردٍ تأمّليٍّ يشتغل على التحوّل الداخلي أكثر من اعتماده على المفاجأة أو الحدث. إنها رواية تذكّرنا بأن أعقد الرحلات هي تلك التي نخوضها في أعماقنا، وأن النجاة قد تبدأ من لحظة جرأة نقرّر فيها مغادرة سمائنا القديمة.



