إكرامًا لمن دعيته: الضيف بين الأمان والمحاسبة

 

صالح الصواط – مكة المكرمة

لم تكن الدعوة في الموروث الاجتماعي فعلًا عابرًا، بل كانت التزامًا أخلاقيًا يسبق المكان ويعلو على التفاصيل. فمن يدعو، إنما يمنح وعدًا غير مكتوب بالاحترام، ويقدّم صورة عن نفسه قبل أن يفتح بابه لغيره. لذلك، يبقى إكرام الضيف مقياسًا للرقي، لا ترفًا اجتماعيًا.

الضيف حين يُلبّي الدعوة، لا يأتي ليتعرّض للتقويم أو الملاحظة، ولا ليكون مادةً للنقد أو موضع اختبار. هو حاضر بثقة الدعوة، وباطمئنان القبول، وباحترام يفترض أن يُقابَل بمثله. فأي إخلال بهذا التوازن يُحوّل الضيافة من قيمة إلى عبء، ومن كرم إلى تناقض.

إن من أكثر الأخطاء شيوعًا أن تختلط المجالس بين حسن الاستقبال وسوء الحديث، فتُفرش الموائد عامرة، بينما تُرمى الكلمات جارحة. النقد في موضع الضيافة لا يُنقح سلوكًا، بل يجرح كرامة، ولا يُصلح خطأ، بل يترك أثرًا يصعب تجاوزه. فالكلمة في مجلس الضيف إمّا أن تكون زينة، أو أن تتحول إلى عبء أخلاقي على صاحبها.

لقد علّمنا الإرث الاجتماعي أن الحكمة في إدارة المجالس لا تقل أهمية عن الكرم في تقديمها، وأن احترام المقام مقدَّم على إبداء الرأي، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ملاحظة في غير وقتها. فالضيف يُغادر، لكن الأثر يبقى، والذكرى إمّا أن تكون طيبة تُحمد، أو ثقيلة تُلام.

الدعوة مسؤولية، والضيافة موقف، وإكرام الضيف انعكاس مباشر لقيم المضيف. ومن لم يُحسن الإكرام، فعليه أن يُعيد النظر في معنى الدعوة، لا أن يُحمّل الضيف وزر سلوك لم يُمنح له مجالٌ إنساني للتجاوُز.

من دعا إنسانًا ثم ناقده، لم يفهم معنى الدعوة، بل أساء استخدام السلطة الأخلاقية التي منحها لنفسه، ولهذا تبقى القاعدة واضحة لا تقبل التأويل:

إذا دعوت ضيفك، فأفرش له الورد… فالنقد لا يُمارَس في لحظة الأمان.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لله درك مااروعك كاتبنا المميز صالح السواط ..
    فعلاً للضيف حقوق لابد من احترامها وعدم تجاهلها ..
    ابدعت اخي صالح في وصفك وتعليقك في هذا المقال لانجد كلام نقوله او نضيفه على كلماتك الواعيه الراقيه ..
    نشكركم ونشكر صحيفة الوطن نيوز ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى