فن إكرام النفوس الرفيعة

بقلم: د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
تبقى النفوس الرفيعة جوهرةً نادرة، يحتاج إكرامها إلى بصيرة القلب قبل بصر العين. وفي أزمنةٍ تتسارع إيقاعاتها، وتعلو أصواتها، وتتشابه مواقفها، تبرز النفوس الرفيعة بوصفها قيمةً إنسانيةً نادرة؛ لا تُعرَف بالضجيج، ولا تُقاس بكثرة الحضور، بل تُدرَك بعمق الأثر، ونقاء المقصد، ورجاحة السلوك. ويغدو إكرام هذه النفوس فنًّا أخلاقيًا راقيًا يعكس وعي المجتمع ومستوى نضجه الإنساني.
النفوس الرفيعة لا تبحث عن الامتياز، ولا تنتظر الإشادة، ولا تُجيد لغة الادعاء. هي نفوسٌ تتعامل بصدق، وتختلف بأدب، وتحضر بقيمة، وتغيب بكرامة. ولهذا فإن إكرامها لا يكون بالمجاملات السطحية، ولا بالثناء المفرط، بل بالفهم العميق لطبيعتها، واحترام مساحتها، وتقدير مبادئها.
وأولى مراتب إكرام النفوس الرفيعة الاحترام الصادق؛ احترام الرأي، واحترام الصمت، واحترام الاختلاف. فهي نفوس تُقدِّر الوضوح، وتأنف من الالتفاف، ولا تستسيغ التناقض بين القول والفعل. كما أنها تُدرِك النوايا قبل الكلمات، وتقرأ المواقف قبل العبارات.
ويأتي حسن الخطاب في مقدمة صور الإكرام؛ فالكلمة عند النفوس الرفيعة مسؤولية، لا وسيلة استعراض. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، فالحُسن في القول لا يقتصر على جمال الألفاظ، بل يشمل صدق المقاصد، وحكمة التوقيت، ومراعاة المقام.
ومن تمام الإكرام الإنصات الواعي؛ أن تُصغي إليها بقلبك قبل أذنيك، فهي لا تطلق الكلمات جزافًا، وكلامها غالبًا ما يكون حكمةً ناضجة أو مواساةً صادقة. والإنصات لها اعتراف بعمق ما تحمله، وتقدير للفكرة قبل قائلها.
ويبقى الموقف العملي أبلغ من أي خطاب؛ فالثبات على القيم، والعدل عند الاختلاف، وحفظ الود عند التباين، كلها معايير تقيس بها النفوس الرفيعة صدق العلاقات. وهي لا تختبر الآخرين بالأسئلة، بل بالمواقف، ولا تُخاصم كثيرًا، لكنها حين تنسحب تفعل ذلك بهدوء يليق بسموها.
ومن أهم صور إكرام النفوس الرفيعة عدم استنزافها؛ فلا تُحمَّل ما لا يليق، ولا تُزَجّ في صراعات لا تشبه مبادئها، ولا يُساء فهم صمتها على أنه ضعف، أو هدوئها على أنه تراجع. فالنفوس الكبيرة تتعب من التفاصيل الصغيرة، وتغادر حين يغيب المعنى.
إن وجود النفوس الرفيعة في حياة الأفراد والمؤسسات نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى، وحفظ هذه النعمة يكون بتقديرها، وصون مكانتها، وعدم التفريط بها. والمؤسسات الراقية هي التي لا تكتفي باستقطاب النفوس الرفيعة، بل تُرسِّخ ثقافةً تنظيميةً تُكرم وجودها؛ فتمنحها مساحةً للإبداع بعيدًا عن البيروقراطية، وتقديرًا للمبدأ قبل المنفعة، وبيئةً نظيفةً من الصغائر والصراعات التافهة. فهي رأس مالها الحقيقي الذي لا يُقدَّر بثمن.
فالمجتمعات التي تُكرم النفوس الرفيعة، هي مجتمعات قادرة على بناء الثقة، وترسيخ القيم، وصناعة الأثر المستدام.
وفي الختام، فإن فن إكرام النفوس الرفيعة ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة إنسانية، ودليل وعي، وعنوان رقي. وهو مرآة تُظهر حقيقة الأفراد والمجتمعات، واستثمار في صحة العلاقات وثراء الروح البشرية. فبقدر ما نُكرم هذه النفوس بيننا، نرقى في سلم الإنسانية، ونبني عالمًا أكثر اتزانًا وجمالًا. ومن أحسن إكرامها ارتقى معها، ومن جهل قيمتها أو أهدر حقها خسر الكثير دون أن يشعر.
والله سبحانه وتعالى هو الأعلم بالسرائر، وهو الأكرم لعباده، ومن هديه نتعلّم كيف نُكرم الإنسان بما يليق بإنساني.



