وداعًا دكتور عادل محجوب

د. غالب محمد طه
تبدأ القصة بصوت صديق، في مكالمة قصيرة حملتُ فيها التعازي كما يحمل المرء شيئًا لا يعرف أين يضعه. صمت قليلًا، وكأن الكلمات تبحث عن طريقها، ثم خرج صوته مثقلاً بالحزن وهو يقول: فقدنا بالأمس طبيبًا كبيرًا وإنسانًا استثنائيًا… من أولئك الذين يجتمع الناس على محبتهم دون أن يختلفوا على فضلهم.
قالها بصوت منخفض، وكأنها خرجت من مكان أعمق من الحزن، ولم أعرف لماذا علقت الجملة في داخلي بتلك الطريقة، لكنها فتحت بابًا واسعًا من الأسئلة التي رافقتني طوال الليل. لماذا يترك بعض الناس فراغًا أكبر عند رحيلهم؟ ولماذا نشعر أحيانًا بأننا نعرف أشخاصًا لم نلتقِ بهم يومًا، فقط لأن أثرهم مرّ بنا من خلال الآخرين؟ كنت أفكر: هل يحتاج الإنسان إلى معرفة وثيقة كي يُشهَد له بالمحبة، أم أن أثره وحده يكفي ليكشف قيمته الحقيقية؟
الفقد ليس غياب جسد فحسب؛ هو انطفاء صوت اعتدنا حضوره، ومشهد يظل معلّقًا في الذاكرة، وفراغ يجعل القلب يعيد اكتشاف قيمة من رحل، وكأن الحزن يعلّمنا ما لم ننتبه إليه في حياة من غابوا.
الدكتور عادل محجوب موسى، النطاس البارع واستشاري الجراحة في مستشفى حفر الباطن المركزي، كان واحدًا من أولئك الذين يصبح وجودهم جزءًا من نسيج المكان. سنوات طويلة قضاها في خدمة المرضى، حتى صار الناس يذكرون اسمه وكأنهم يذكرون شيئًا يخفف عنهم، لا طبيبًا يمرّ في الممرات. وعندما أعلن تجمع حفر الباطن الصحي نبأ رحيله إثر حادث مروري أليم وقع بالقرب من المستشفى نفسه الذي أمضى فيه أغلب حياته المهنية، شعر الناس بأن المدينة فقدت أكثر من طبيب؛ فقدت رجلًا كان حضوره يخفف الخوف، ويعيد ترتيب القلوب القلقة.
كان يقترب من المريض بطريقة تجعل وجوده نفسه علاجًا؛ يضع يده على كتف المريض قبل أن يكتب الوصفة، وكأن الطمأنينة جزء من العلاج. زملاؤه تحدثوا عنه وكأنهم يستعيدون تفاصيل يومية يعرفونها جيدًا: رجل لا يرفع صوته، لا يترك مريضًا دون أن يشعره بأنه ليس وحده، يعمل بصمت، ويغادر بصمت، وكأنه يكتفي بأن يرى أثر عمله في عيون الناس.
وفي المسجد، كان المشهد ثقيلًا على القلوب؛ وقف الناس يدعون له، وكل واحد منهم يحمل في داخله قصة صغيرة معه، أو ذكرى، أو لحظة امتدت فيها يده لتخفف ألمًا. ومن المسجد إلى المقابر، بدا المشهد واحدًا: محبة كبيرة تودّع رجلًا عاش بينهم بصدق. كانت الدموع تنزل وكأن كل واحد منهم يستعيد لحظة شخصية معه، لحظة لم يتوقع أن يفقدها بهذه السرعة.
أثناء تصفحي لتويتر، توقفت طويلًا أمام سيلٍ من الشهادات التي كتبها الناس عنه. لم تكن كلمات رسمية، بل اعترافات خرجت من قلوب متأثرة: مريض يروي عملية أنقذته، وآخر يصف كيف طمأنه في لحظة خوف، وأم تشكر لطفه مع طفلها. كانت تلك التغريدات أشبه بمرآة تعكس حجم الرجل، وتكشف أن أثره كان أوسع بكثير مما نتصور. وحين ترى هذا الإجماع الصادق، تدرك أن الناس حقًا شهداء الله في الأرض.
حتى بعد رحيله، لم يتوقف أثره. سارعت إحدى الجمعيات الصحية في حفر الباطن إلى إطلاق صدقة جارية باسمه، وكأن المدينة أرادت أن ترد له شيئًا من عطائه الذي لم ينقطع يومًا، وكأنها تمنحه وفاءً بوفاء، فهو الذي عاش فيها عمرًا. جسده غاب، لكن ذكراه ستظل حيّة في تفاصيل كثيرة: في دعاء، في لحظة شفاء، أو حتى في ونس الأصحاب، وفي كل همسة تؤكد أن إنسانيته كانت أعمق من لقبه المهني.
رحمه الله، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وبارك في كل يد شُفيت على يديه، وكل قلب دعا له دون أن يعرفه. ترك وراءه أثرًا لا يغيب، حضورًا لا يُمحى، وبصمة في القلوب تبقى ما بقيت الحياة.
رحم الله أحد روّاد العمل الصحي بحفر الباطن، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. وخالص التعازي لكل الأطباء في حفر الباطن وفي كل مكان لهذا الفقد الجلل، ولجميع محبي فضله وعارفي عطائه.
وداعًا سيدي… فالموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء الذين عرفوا قيمتك بعد أن غبت.



