ماذا لو اختفت العربية؟

بثينة عبد الحميد المحمود
لم يكن الصباح قد اكتمل بعد، كانت السماء تميل إلى الرمادي، والهواء يطرق نافذتي بخفّة كأنّه يوقظ المدينة معي. أوراق الشجر تتساقط ببطء، تصطدم بالزجاج ثم تستسلم للأرض، فيما كانت العصافير تتبادل نداءاتها فوق الأغصان. في ذلك الهدوء الخريفي، تسلّل صوت أمي إلى غرفتي:
فهد… فهد… فهددد، استيقظ يا بني
تمتمت بنعاس:
حسنًا يا أمي، دقائق فقط.
كنت أعرف هذا المشهد جيدًا؛ نوم متأخر، وصباح مستعجل، ونداء أم لا يملّ. نهضت أخيرًا، غسلت وجهي، توضأت، ومضيت إلى الصلاة. بعدها عدت أتهيأ للمدرسة، وكانت أولى حصصي اللغة الإنجليزية. لا أخفيك أنني أحبها، بل أجد فيها نافذة واسعة على العالم. أمي كانت تبتسم دائمًا وتقول:
«تعلّم ما شئت من لغات، لكن لا تترك لغتك.»
لم أكن مقتنعًا. كنت أرى العربية لغة محصورة بنا، لا تتجاوز حدودنا، ولا تخدمني في أحلامي الكبيرة. كنت أسمّي هذا الرأي بيني وبين نفسي: (واقعية(.
عدت إلى المنزل مرهقًا، بالكاد أفتح عينيّ، فألقيت بجسدي على السرير، وغرقت في نوم عميق.
استيقظت فجأة… لا على سريري، بل على أرض الغرفة. نهضت متثاقلًا، وكانت الستائر ترفرف كالأعلام، والشمس تستعد للغروب. شعرت بجوع شديد، وصمت غريب يملأ البيت. ناديت أمي… لا جواب. ذهبت إلى غرفة والديّ، ثم إلى المعيشة، ثم المطبخ. لا أحد.
حضّرت طعامي بنفسي، وأنا أراقب عقارب الساعة. غابت الشمس، ولم أسمع أذان المغرب. بدأ القلق يتسلّل إليّ، فصرت أدور في المنزل كطفل أضاع يده في زحام.
أردت أن أنادي أمي… لكن صوتي خانني. حاولت التحدث، فخرجت مني أصوات غريبة، حروف لا أفهمها. فجأة، جرّبت الإنجليزية… فتدفقت بسهولة. تجمّدت في مكاني.
وقفت أمام المرآة، فتحت فمي محاولًا أن أقول: “أمي”.
لم أستطع.
توجهت إلى المغسلة، توضأت وقلبي يضجّ بالأسئلة. وقفت في موضع الصلاة، رفعت يدي لأكبّر…
لكن الكلمة لم تخرج.
أما اسم الله، فكان خفيفًا، قريبًا، يسبق لساني دون عناء.
“يا الله… يا الله”
وقبل أن أتابع، اخترق الصمت صوت مألوف:
فهددد! استيقظ!
فتحت عينيّ مذعورًا… أنا في سريري. وأمي بالقرب مني
قصصتُ عليها ما رأيت، فلم تقل شيئًا، واكتفت بتهدئتي بابتسامتها، ونظرتها الحانية، وصوتها الجميل وهي ترقيني، ثم مضت. في ذلك اليوم، فتحت دفتري وكتبت بالعربية لأول مرة بقلب عاشق متيم بجمالها “لعربية فخرٌ حفظها الله عبر الأجيال والسنين، ونزل بها القرآن بلسان عربي مبين. يا لكِ من عظيمة يا لغتي “، أنصت لصوتي بسعادة وهو ينطق ما أكتبه للعربية بعد أن عشت كابوس فقدانه. لم أفكر إن كانت لغة عالمية أم لا. فقط شعرت أنها جزء من هويتي بل ومن روحي..
وحين انتهيت، أغلقت الدفتر، وكأنني أغلقت معه نافذة كانت مفتوحة على حلم مخيف لا أريد أن أعيشه مرة أخرى



