الانشغال بالنفس راحة لا يفهمها الجميع

بقلم ايمان المغربي
ليس كل انشغال هروب ولا كل صمت عزلة ولا كل ابتعاد ضعف فهناك مرحلة من النضج يصل اليها الانسان بعد تجارب متعددة يدرك فيها ان طاقته ليست بلا حدود وان عمره اقصر من ان يوزع على كل نقاش وكل حدث وكل رأي وان راحته ليست ترفا يمكن التفريط فيه بل ضرورة تحفظ توازنه الداخلي فالانشغال بالنفس لا يعني الانانية ولا يعني تجاهل الآخرين بل يعني ان تعي قيمة وقتك وان تدرك ان حضورك في كل ساحة ليس دليلا على اهميتك بل قد يكون سببا في استنزافك
حين ينشغل الانسان بكل ما حوله يفقد قدرته على رؤية ما بداخله وحين يراقب حياة الآخرين اكثر مما يراجع نفسه يتشتت تركيزه ويضعف نموه وتصبح ايامه مليئة بردود الافعال لا بالقرارات الواعية فالانشغال بالنفس هو انتقال من رد الفعل الى الفعل ومن التشتت الى التركيز ومن الانشغال بالظواهر الى العناية بالجذور هو ان تسال نفسك ماذا احتاج ان اصلح وماذا احتاج ان اطور وماذا ينبغي ان اتجاوز بدلا من ان تسال ماذا يفعل الآخرون وماذا قالوا وماذا يقصدون
الانشغال بالنفس هو ان تستثمر وقتك في بناء مهارة او تهذيب خلق او تصحيح مسار او تقوية علاقتك بالله عز وجل او ترميم علاقة تستحق ان ترمم هو ان تبني داخلك بصمت وثبات دون ان تنتظر تصفيق ودون ان تحتاج الى اعلان هو ان تكون معنيا بتحسين نسختك القادمة اكثر من ان تكون مشغول بمقارنة نفسك بالنسخ المحيطة بك
كلما ازداد انشغالك بنفسك بوعي قل نقدك للناس وخف حكمك عليهم وتراجعت رغبتك في تفسير كل تصرف يصدر منهم لانك تدرك ان لكل انسان مساره وتجربته وحدوده فتتحول من مراقب دائم الى منشغل حقيقي بنموه ومن محلل لكل حركة الى صانع لخطوته القادمة وحينها يتغير هدوؤك ويتزن كلامك ويصبح حضورك اكثر عمقا واقل فوضى
الانشغال بالنفس راحة لا يفهمها الجميع لان بعضهم اعتاد ان يقيس الحضور بكثرة المشاركة ويقيس القوة بكثرة الرد ويقيس القيمة بكثرة الظهور بينما النضج الحقيقي يعلمك ان بعض الصمت حكمة وان بعض الانسحاب حفاظ على الاتزان وان بعض التجاهل حماية للسلام الداخلي ليس هروبا من الواقع بل اختيارا واعيا لطريقة التعامل معه
ليس المطلوب ان تعيش منعزل عن الناس ولا ان تتجاهل مسؤولياتك ولا ان تغلق بابك في وجه كل من حولك ولكن المطلوب ان تعرف حدودك وان تعي طاقتك وان تدرك انك لست ملزم بالدخول في كل نقاش ولا بتبني كل قضية ولا بتفسير كل موقف فهناك فرق بين ان تكون مهتما وان تكون انسان مستنزف
في زمن كثرت فيه الاصوات وتزاحمت الاراء وتسارعت الاحداث اصبح التركيز على الذات نوع من الحكمة واصبح الهدوء قرارا واعي لا عجز واصبح الانشغال بالنفس طريق للحفاظ على صفاء القلب وسلامة العقل وقوة القرار فالذي ينشغل ببناء نفسه يقل احتياجه لاثبات نفسه والذي يعرف قيمته لا يحتاج ان يقنع الجميع بها
في النهاية لن يسالك احد عن كل نقاش لم تخضه ولا عن كل تعليق لم تكتبه ولا عن كل جدال انسحبت منه لكنك ستسال نفسك كثيرا عن الوقت الذي ضاع فيما لا يعنيك وعن الطاقة التي استهلكت فيما لم يضف لك شيئا فاختر ان تنشغل بما يبنيك لا بما يشتتك وبما يرفعك لا بما يرهقك واجعل حضورك الاكبر في حياتك انت قبل ان يكون في حياة الآخرين
فالذي ينشغل بنفسه ليصلحها يعلو بهدوء والذي ينشغل بالناس ليقارنهم يرهق بلا جدوى وبين الاثنين تتحدد قيمة العمر ولان العمر لا يعود والوقت لا يعوض والطاقة اذا استنزفت لا تسترد بسهولة فان اخطر ما يمكن ان يخسره الانسان ليس جدالا خسره ولا رأيا لم يثبت صحته بل سنوات ضاعت وهو ينشغل بما لا يزيده نموا فالناس سيستمرون في الكلام والآراء ستبقى تتغير والاحداث لن تتوقف لكن حياتك انت لن تعاد فاختر اين تضع تركيزك لان ما تركز عليه ينمو وان انشغلت بنفسك لتبنيها كبرت وان انشغلت بغيرك لتراقبه توقفت وهنا الفارق فاما ان تعيش عمرك تبني نفسك او تستهلكه تراقب غيرك فالعمر لا ينتظر ان تنتهي من مراقبة الآخرين لتبدأ بناء نفسك ومن انشغل بغيره ضاع ومن انشغل بنفسه ارتفع



