فقه القلوب عندما يكون القلب أعلم من العقل

الدكتور : مونس شجاع
ليست القلوب أوعية ومخزن للمشاعر فحسب بل هي في الحقيقة مراكز وعي خفية تُدار فيها القرارات قبل أن تُنطق وتعصف بها الخواطر قبل أن ترسخ وتُحسم بها المواقف قبل أن تظهر للعلن وتُبنى بها القيم قبل أن تتحول إلى سلوكيات ، ومن هنا فإن الحديث عن فقه القلوب ليس ترفاً روحياً ولا خطاباً عاطفياً عابراً ، بل هو فهم عميق لحقيقة الإنسان من الداخل عندما تتلاقى النفس والروح وتتقاطع مع النية والتصرف وتؤدي إلى بنا إلى تلك القرارات التي ستحدد مصيرنا في رحلة هذه الحياة الفانية !
فقه القلوب علم لا يُدرس
في خضم معركة الإنسان مع الحياة وزحمتها وكثرة المشتتات والمغريات والمسؤوليات والالتزامات وتسارع الأيام نتناسى غالباً أن أعظم ما يعبر عن الإنسان ليس ما يقوله بلسانه بل ما يشعر به وليس ما يُظهره بل ما يحمله في قلبه ، فعلم القلوب لا يُدرس بالقاعات بل نمارسه بصمت ونختبره بالمواقف والثبات عليها ويُقاس بالنوايا وصدقها والالتزام بها ، فقه القلوب أن تفهم نفسك قبل أن تحكم على غيرك و أن تحسن الظن قبل أن تسيء التفسير و أن تختار الرحمة حين تكون القسوة أسهل وأقل تكلفة ، بفقه القلوب يجب أن تفهم أن ما يظهر من أفعال وكلمات هو نتيجة لما يحتويه الجذر الحقيقي الذي يسكن القلب فكم من خوف لم يُقال وكم من رغبة قُتلت في مهدها وكم من ألم لم يٌفهم !!
نلقي بأجسادنا ولا نلتقي بعقولنا فكيف لو التقينا بقلوبنا !
إن هذه العبارة تمثل فجوة عميقة وحقيقية في التواصل الإنساني فالأشخاص قد يتواجدون معاً مكانياً ” جسديا ” ولو تحت سقف واحد ولكنهم يفتقرون إلى التفاهم والانسجام والحوار الفكري والمعنى بين العقول والقلوب وهم بهذه الطريقة يمثلون الانفصال العاطفي وسطحية العلاقة مما يؤدي إلى الشعور بالوحدة أو قد يتعمق ذلك الشعور للوصول إلى ذروته وهو ما يُعرف بالاغتراب النفسي تلك الغربة الصامتة التي لا تُرى بالعين المجردة ولكنها تُنهك القلب أكثر من أي وحدة معلنة غربة يشعر بها الأنسان بأنه حاضر جسدياً غائب بقلبه محاط بالناس لكنه غير مفهوم مُطالب دائماً بأن يكون قوياً متماسكاً وناجحاً دون أن يُسمح له بأن يكون إنساناً يضعف ويحتار ويتألم ويعاني بصمت دون أن يفهمه أحد !
“إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” حديث صحيح
القلب هو الأساس وهو الذي ستتم محاسبتنا عليه أمام الله سبحانه ومحتصر شرح الحديث أن الله ينظر إلى القلوب وما فيها من تقوى ويقين وصدق وإخلاص ورياء وسمعة وسائر الأخلاق الحسنة والقبيحة ، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب وأكرم فلا تفخر بمالك ولا جمالك ولا أولادك ولا قصورك ولا بشيء من هذه الدنيا الفانية إنما من وفقه الله للتقوى فهذا فضل الله عليه فليحمده سبحانه وان خُذل فلا يلومن إلا نفسه ” موسوعة الدرر السنية ”
القلب السليم
قال تعالى ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [لشعراء: 89] قال العلامة ابن القيم رحمه الله: والقلب السَّليم هو الذي سلم من الشِّرك والغلِّ، والحقد والحسد، والشحِّ والكِبر، وحبِّ الدُّنيا والرِّياسة، فسلم مِن كلِّ آفةٍ تبعده عن الله، وسلم مِن كل شُبْهةٍ تعارض خبره، ومِن كلِّ شهوةٍ تعارض أمره، وسلم مِن كلِّ إرادةٍ تزاحم مراده، وسلم مِن كلِّ قاطعٍ يقطع عن الله ” انتهى كلامه رحمه الله ” .
الفرق بين الوجود والحضور
فالقلب السليم الطاهر لا يخلو من الألم ولكنه بنفس الوقت لا يسمح أن يتحول ذلك الألم إلى حقد ولا أن يتحول الخذلان إلى قسوة ، فالتواصل الحقيقي لا يتحقق بالمنطق العقلي بل بالتوافق العاطفي والروحي الذي يربط بين القلوب المتشابهة والمتحابة فقد تلتقي الأجساد ولكن تبقى عقول وقلوب الأشخاص مختلفة ومتفرقة فكم من وجود جسدي بين الأشخاص سواء كانوا أصدقاء أو زملاء أو حتى أزواج تحت سقف واحد ولكن لا يضمن ذلك التواجد الجسدي أي تواصل حقيقي وفعال ولا يعكس توافق روحي وقلبي !



