دعوهم يتنفسون…

الإعلامي / معلا السلمي

في هذه الصورة مشهدٌ لا يحتاج إلى شرحٍ طويل، ولا إلى عباراتٍ منمّقة. شابٌّ يحمل والده على سريرٍ متحرّك إلى البحر، فقط ليمنحه لحظة هواء، لحظة حياة، لحظة اتساعٍ في الصدر.

كم يبدو المشهد بسيطًا في ظاهره، لكنه عظيمٌ في معناه.
فليس كلُّ برٍّ يُقال، وليس كلُّ حبٍّ يُكتب، بعضه يُدفَع على عجلات، تحت شمس المساء، وعلى رصيفٍ يطلّ على الأفق.

البحر أمامهما واسع، ممدود كرحمة الله، وأمواجه تتنفس كما لو أنها تشاركهما الدعاء. لعل الأب أنهكه المرض، وضاق عليه السرير والجدران والسقف، فجاء به ابنه إلى الفضاء المفتوح، إلى نسمةٍ مالحة، إلى أفقٍ لا حدود له.
قال: “دعوهم يتنفسون”… وكأنها ليست جملة تخصّ والده وحده، بل نداء لكل من أثقلهم الألم، وكل من ضاقت عليهم الحياة.

هذا الشاب لم يحمل سريرًا فحسب، بل حمل تاريخًا من الحنان الذي تلقّاه صغيرًا، وردّه اليوم مضاعفًا. حمل سنوات التربية والسهر والدعاء، وردّها وفاءً وعملًا.
في كل خطوةٍ على ذلك الرصيف رسالة:
أن البرّ ليس موسمًا، بل موقف.
وأن الرحمة ليست كلامًا، بل فعل.
وأن الحب الحقيقي يظهر حين يشتدّ التعب.

الصورة تختصر درسًا عظيمًا:
حين يعجز الوالدان عن السير، نمشي نحن بدلًا عنهما.
حين تضيق أنفاسهم، نبحث لهم عن فسحة.
وحين يثقل عليهم العالم، نصير نحن سندهم.

“دعوهم يتنفسون”…
هي وصية إنسانية قبل أن تكون عائلية.
دعوا كبار السن يرون السماء، يسمعون البحر، يلامسون الحياة خارج حدود الغرف المغلقة.
فأحيانًا، نسمة هواء صادقة، تساوي دواءً كثيرًا.

سلامٌ على كل ابنٍ حمل والده،
وسلامٌ على كل قلبٍ لم ينسَ من كان سببًا في نبضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى