المرأة صانعة الرجال

بقلم الإعلامي صالح المحجم

ليست المرأة ظلاً في حياة الرجل ، ولا تفصيلاً عابراً في سيرته ، بل هي المحرك الأول في أعماقه ، والقوة الخفية التي تدفعه إمّا إلى القمة ، أو تتركه يتهاوى حيث لا يدري.
المرأة بوعيها وصبرها ودعمها النفسي والمعنوي قد تكون السند الذي يصنع رجلاً عظيماً.
تأخذ بيده حين يتعثر ، وتؤمن به حين يشك في نفسه ، وترى فيه ما لا يراه في ذاته ، فتصنع منه اسماً يُشار إليه بالبنان
وفي المقابل قد تكون بضحالة تفكيرها وتعلقها بالمظاهر ولهاثها خلف المال والمتابعين والشهرة أو بتدليلها المفرط ؛ سبباً في صناعة رجل تافه لا يحمل مسؤولية ، ولا يعرف معنى الثبات.
تربية المرأة وعقلها هما المدرسة الأولى في بناء شخصية الرجل.
فكم من رجل لم يكن شيئاً يُذكر ؛ فلما ارتبط بامرأة واعية صار له وزن وحضور.
وكم من رجل كان ذا مكانة وهيبة ، فألقته شريكة حياته في مستنقع وهم الشهرة، تقدّمه أمام الناس كأنه إنجازها الشخصي ، وتقوده في كل محفل ، حتى بدا المشهد ، وكأنها تقول قد أحضرت لكم الأراجوز ، وهو يسير خلفها بلا حول ولا قوة، الأمر أمرها، والنهي نهيها.
ظهرت إحداهن يوماً على منصات التواصل الاجتماعي وكتبت في واجهة حسابها المرأة المتمردة تصنع التاريخ ، أما تلك المطيعة فهي لا تصنع إلا الطعام.
وفي الواقع إن من كتبت ذلك لم تصنع تاريخاً ولا جغرافيا ولا حتى طعاماً يُذكر.
القضية ليست تمرداً ولا طاعة عمياء، بل وعيٌ يضع كل شيء في موضعه.
فلكل مقام مقال ، ولكل زمن رجال ، المرأة لا تصنع رجلاً فحسب ، بل تصنع أمة ، فهي أساس ركائز المجتمع في كل جوانبه
وحين نقول إن النساء يصنعن الرجال فنحن لا نعني المعنى البيولوجي ، بل المعنى الحضاري ، والثقافي، والتربوي.
المرأة كأم، كمعلمة، كزوجة، كملهمة، تؤثر في البنية النفسية والعقلية للرجل ، وتسهم في صياغة وعيه ، وتوجيه طاقاته.
فإذا نشأ على يد امرأة قوية واعية رحيمة حمل هذه الصفات معه إلى العالم.
وصالح المحجم ليس استثناءً من هذه القاعدة ، ففي بداياته صنعتْه أمه بالتحفيز والوقوف إلى جانبه، ثم جاءت زوجته الصالحة فأكملت المسيرة من حيث توقفت أمه.
ثم كبرن بناته ، فصرن مرجعاً له حتى في مقالاته، يستأنس بآرائهن ، ويصغي لملاحظاتهن.
فكانت حياته ثلاث محطات مضيئة :
أمه
وزوجته
وبناته
لهذا لا تستهينوا بالنساء ولا بعطائهن ، فهن اللبنة الأولى في بناء الإنسان.
لكن من المؤلم أيضاً أن نرى بعض كبار السن ممن كانت لهم هيبة ومكانة يرتبطون بامرأة تصغرهم سناً بكثير ، فتكون سبباً في إسقاط شخصيتهم الاجتماعية
تدفعه للظهور أمام الناس بصورة المنكسر أو تقحمه في برامج التواصل وتوهمه أن الأضواء مالٌ ومجد.
وتجعله يرتدي ما لا يليق بسنه ويتصرف بما لا يشبه تاريخه
لا عيب في الفارق العمري إن وُجد وعي واحترام ، لكن العيب أن يُختزل الرجل في دور لا يشبهه ، أو يُقاد إلى مشهد لا يليق بمقامه.
فالمرأة لا تُنجب الرجل جسداً فحسب ، بل تزرع فيه القيم ، وتغرس المبادئ ، وتهذّب الوجدان ، وتصقل الشخصية.
ومن هذا المنطلق فإن المرأة لا تربي طفلاً فقط بل تنشئ قائداً ومفكراً وصانع قرار.
هي من تصنع الرجل ، فإما أن ترفعه حتى يليق باسمه ، أو تهوي به حتى يفقد نفسه.
والفرق بين الحالين امرأة تعي قيمتها ورجل يعرف مقامه
وهذا ما يؤمن به صالح المحجم أن المرأة إن صلحت صلح معها الرجل ، وإن اختلّ ميزانها اختلّ معه البناء.
وفي النهاية ليست القضية رجلاً تقوده امرأة ولا امرأة تصنع رجلاً بل ضميرٌ يخاف الله.
أيتها المرأة:
أنتِ إما أن تكوني سلّم رفعة أو حفرة سقوط.
وأنت أيها الرجل إن كنتَ تُقاد خلف طيشٍ يعجبك ، فلا تُلقِ اللوم على أنوثةٍ أبهرتك.
فالرجال لا تُقاد ، الرجال تقود.
المرأة الواعية تبني، والمرأة الطائشة تُلهي.
والرجل الحقيقي يختار وفي ميزان التقوى.
لن يُسأل أحدكما عن جمال الصورة ، بل عن صلاح الأثر
فإما أن تكونا معاً مشروع بناء ، أو تكونا معاً حكاية سقوط
فالتاريخ لا يذكر من تراقصوا في الضوء ، بل يخلّد من ثبتوا حين أظلمت الدنيا.
هناك تُعرف قيمة المرأة ، وهناك يُختبر معدن الرجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى