حين يتحوّل التقليد إلى اعترافٍ بالعجز

صالح الصواط – مكة المكرمة
في زمنٍ تتسابق فيه الأسماء قبل القيم، وتتنافس فيه الواجهات قبل الجوهر، يبرز مشهدٌ متكرر لا تخطئه العين: تقليدٌ أعمى لا يصنع أصالة، ومحاكاةٌ باهتة لا تُنتج إبداعًا.
التقليد حين يكون تعلّمًا فهو خطوة ناضجة، أما حين يكون استنساخًا بدافع الغيرة، فهو إعلانٌ غير مباشر عن ضيق الأفق، وضحالة الفكرة، وعجزٍ عن الارتقاء بالذات.
ليس كل تقليدٍ مذمومًا؛ فالبدايات تتكئ على الاقتداء، والناجحون يمرّون بمحطات تعلّمٍ واستلهام. لكن الفارق الجوهري بين “الاقتداء” و“الاستنساخ” أن الأول يُنتج نسخةً أفضل من الذات، بينما الثاني يُنتج نسخةً مشوّهة من الآخرين.
عندما ينشغل البعض بتتبّع خطوات غيرهم، ونسخ أساليبهم، وملاحقة نجاحاتهم، فهم في الحقيقة يعلنون — دون أن يشعروا — أن قاموسهم الداخلي خالٍ من المفردات الخاصة. فالإبداع لا يولد من ظلّ الآخرين، بل من مواجهة النفس، وصقل الموهبة، والعمل بصمتٍ وثبات.
الحسد لا يظهر دائمًا في صورة نقدٍ مباشر أو هجومٍ صريح؛ أحيانًا يتخفّى في عباءة التقليد. يقلّدك لأنه لا يستطيع أن يكونك، ويحاكي حضورك لأنه عاجز عن صناعة حضوره، ويتقمص نجاحك لأنه لم يتعلّم بعد كيف يبني نجاحه الخاص.
والأخطر من ذلك، أن التقليد القائم على الكراهية يستهلك طاقة صاحبه قبل غيره؛ فيظل أسير المقارنة، رهين المراقبة، مشغولًا بمن سبقه بدل أن ينشغل بنفسه. وهنا تتوقف مسيرته قبل أن تبدأ، لأنه اختار أن يعيش في الهامش بدل أن يصنع متنه الخاص.
الارتقاء الحقيقي لا يكون بمطاردة الآخرين، بل بتجاوز النفس كل يوم.
أن تكون نسخةً محسّنة من نفسك، خيرٌ لك من أن تكون صورةً باهتة من غيرك.
وفي النهاية، سيبقى الأصل أصلًا، مهما كثرت النسخ.
فالأصالة تُحترم، والإبداع يُخلّد، أما التقليد القائم على الحسد، فلا يورث إلا تعبًا مؤقتًا وصدىً بلا صوت.
من أراد العلوّ، فليصعد بسُلّم جهده، لا بظلّ غيره.



