العبادة لا تمحو حقوق العباد

عفاف المهيزع

يحرص كثير من الناس على الإكثار من العبادات، خاصة في المواسم المباركة التي تتضاعف فيها الأعمال الصالحة، فيجتهد الإنسان في الصيام والقيام وتلاوة القرآن طلبًا للأجر والمغفرة. غير أن هناك حقيقة جوهرية ينبغي استحضارها دائمًا، وهي أن العبادات ـ مع عظيم شأنها ـ لا تُسقط حقوق العباد، ولا تبرئ الذمة منها ما لم تُرد إلى أصحابها أو يُبرئوا منها.

فالعبادات علاقة بين العبد وربه تقوم على الإخلاص والتوبة، أما حقوق الناس فأساسها العدل ورد المظالم. ولهذا شددت الشريعة على خطورة التعدي على حقوق الآخرين، سواء كان ذلك في المال أو العرض أو الأذى أو أي صورة من صور الظلم. فصلاح الإنسان لا يكتمل بكثرة العبادة وحدها، بل يتحقق حين يقترن العمل الصالح بالعدل مع الناس وصيانة حقوقهم.

وقد بيّن النبي ﷺ هذا المعنى بوضوح حين وصف المفلس يوم القيامة بأنه من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، لكنه يأتي وقد ظلم الناس، فتؤخذ من حسناته حتى تُعطى للمظلومين. وهذا التصوير يرسخ مبدأً مهمًا مفاده أن حسن العمل لا يكتمل ما دامت حقوق الآخرين باقية في الذمة.

ومن زاوية العدالة، فإن القاعدة المستقرة في الفقه والقضاء أن الحقوق تبقى قائمة في الذمة، ولا تسقط إلا بردها إلى أصحابها أو بإبرائهم منها. وفي هذا الشهر المبارك، حيث يحرص المسلم على مضاعفة الطاعات والتقرب إلى الله، تبرز أهمية مراجعة الذمم ورد الحقوق إلى أصحابها، فإبراء الذمة من حقوق العباد من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان.

فالعبادات تقرّب العبد من ربه، أما صفاء الذمة فلا يتحقق إلا بأداء الحقوق إلى أهلها، ليجتمع للإنسان صلاح العبادة وعدل المعاملة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى