بين العصبية والعدالة… إعادة تعريف معنى النصرة في ميزان الحق

 

صالح الصواط – مكة المكرمة

في زحام العبارات المتداولة، تبرز مقولة: “أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب”، وكأنها قانون غير مكتوب يُجيز الانحياز المطلق لمجرد القرابة، ولو كان على حساب الحق. غير أن هذه المقولة، رغم شيوعها، تُجافي جوهر القيم الإنسانية، وتتناقض صراحةً مع مبادئ العدل التي أرساها الدين الحنيف.

فالدين الإسلامي لم يقم على العصبية، بل جاء ليهدمها ويُعلي من شأن العدل والإنصاف. يقول الله تعالى: “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”، ويقول أيضًا: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”. هذه النصوص تؤكد أن ميزان الحق لا يُوزن بالقرابة، ولا يُقاس بالقرب أو البعد، بل يُقاس بالعدل وحده.

ويأتي التوجيه النبوي ليضع المفهوم الصحيح للنصرة، حيث قال النبي ﷺ: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”. فلما استشكل الصحابة ذلك، بيّن ﷺ المعنى الحقيقي قائلًا: “تنصره مظلومًا، وتمنعه من الظلم إن كان ظالمًا”؛ وهنا تتجلى أعظم صور العدالة، حيث لا يكون الانتصار للأشخاص، بل للمبدأ.

إن الوقوف مع القريب وهو مخطئ، ليس وفاءً ولا نصرة، بل هو خذلان له قبل غيره، لأنه يُكرّس الخطأ ويمنعه من مراجعة نفسه. بينما النصرة الحقيقية تكون بإيقافه عند حدّه، وردّه إلى جادة الصواب، ونصرة المظلوم بردّ حقه، كائنًا من كان.

المجتمعات التي تُقدّس العصبية، تُغذّي النزاعات وتُضعف الثقة بين أفرادها، بينما المجتمعات التي تُعلي من قيمة العدل، تبني جسور المحبة الحقيقية القائمة على الصدق والإنصاف. فالمحبة الصادقة لا تعني التغاضي عن الخطأ، بل تعني الإخلاص في النصيحة، والشجاعة في قول الحق.

ولعل أجمل صور التآلف، أن يجتمع الناس على مبدأٍ واحد: أن الحق أولى أن يُتّبع. عندها فقط، تتحول العلاقات من روابط شكلية إلى روابط أصيلة، قوامها الاحترام والعدل، لا المصالح والانحياز.

وفي النهاية …

لسنا بحاجة إلى مقولات تُقسّمنا بقدر ما نحن بحاجة إلى قِيَم تُوحّدنا. فالعدل أساس المحبة، والحق هو الرابط الأقوى بين الناس، مهما اختلفت انتماءاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى