حين يتحول المال إلى رحمة… رجال الأعمال في قلب مسؤولية التكافل الاجتماعي

بقلم د. تركي العيار
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
في عالمٍ تتسارع فيه المؤشرات الاقتصادية، وتتصاعد فيه لغة الأرباح والخسائر، يبقى هناك معيارٌ آخر أكثر عمقاً وأثراً… معيار الإنسانية، حيث لا يُقاس النجاح بما نملكه فحسب، بل بما نمنحه للآخرين. وهنا يتجلّى الدور الحقيقي لرجال الأعمال، ليس فقط كصنّاع ثروة، بل كصنّاع أمل، وشركاء في بناء مجتمعٍ متماسكٍ متراحم.
لقد جعل الإسلام التكافل الاجتماعي ركيزةً أساسية في بناء المجتمعات، وربط بين الإيمان والسلوك الإنساني ربطاً مباشراً، فقال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (متفق عليه)، وهو تصوير بليغ لمعنى التماسك، حيث لا يستقيم بناء دون تلاحم أجزائه، ولا ينهض مجتمع دون تضامن أفراده.
وفي واقعنا المعاصر، تتجسد صور الحاجة في فئات متعددة: أرامل فقدن السند، مطلقات يحملن أعباء الحياة وحدهن، شباب عاطلون ينتظرون فرصة كريمة تعيد لهم الأمل، وأسر أنهكتها الظروف الاقتصادية… وكل هؤلاء لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر حاجتهم إلى شراكة إنسانية صادقة تعيد لهم التوازن والاستقرار.
ومن هنا، تأتي أهمية العطاء والإنفاق، لا كعملٍ موسمي أو مبادرةٍ عابرة، بل كمنهج حياة ومسؤولية مجتمعية مستدامة. فقد دعا القرآن الكريم إلى الإنفاق، وجعل له مضاعفات عظيمة، قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261]، في مشهدٍ يعكس عظمة العطاء وأثره المتنامي.
ولم يكتفِ الإسلام بالحث على الصدقة، بل جعل تفريج الكرب من أعظم القربات، فقال النبي ﷺ: «من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة» (رواه مسلم)، في إشارةٍ واضحة إلى أن العطاء ليس إحساناً للآخرين فحسب، بل هو استثمارٌ حقيقي في النجاة الأخروية.
إن رجال الأعمال، بما يمتلكونه من موارد وإمكانات، يقفون اليوم أمام فرصة عظيمة لصناعة أثرٍ يتجاوز حدود الاقتصاد إلى عمق المجتمع، حيث يمكن لعطائهم أن يحوّل المعاناة إلى أمل، والاحتياج إلى اكتفاء، واليأس إلى بداية جديدة. فكم من أسرة تغيّرت حياتها بدعم كريم، وكم من شابٍ استعاد ثقته بنفسه بفرصة عمل، وكم من دعوةٍ صادقة رفعت صاحبها درجاتٍ لا تُشترى بالمال.
كما أن الصدقة ليست إنقاصاً للثروة، بل زيادة فيها وبركة، كما قال النبي ﷺ: «ما نقص مالٌ من صدقة» (رواه مسلم)، فهي معادلة إيمانية تتجاوز الحسابات المادية، لتؤكد أن ما يُعطى في سبيل الله يعود أضعافاً مضاعفة، مادياً ومعنوياً.
وإذا كان التكافل الاجتماعي مطلباً إنسانياً، فإنه في المجتمعات المسلمة واجبٌ شرعي وقيمة حضارية، يعزز الاستقرار، ويحدّ من الفوارق، ويقوي النسيج الاجتماعي، ويجعل من المجتمع كياناً واحداً متماسكاً، يشعر فيه القوي بمسؤولية تجاه الضعيف، والغني بواجبٍ تجاه المحتاج.
إن المرحلة التي نعيشها اليوم، بكل ما تحمله من تحديات ومتغيرات، تستدعي تعزيز هذا المفهوم، وترسيخ ثقافة العطاء، وتفعيل دور القطاع الخاص ورجال الأعمال في دعم المبادرات الاجتماعية، والعمل الخيري، وبرامج التمكين الاقتصادي للفئات المحتاجة، ليكون العطاء منظومة مستدامة لا مجرد مبادرات فردية متفرقة.
وفي الختام، تبقى الحقيقة الأهم أن المال وسيلة لا غاية، وأن أعظم ما يُخلّده الإنسان هو أثره في حياة الآخرين. فليكن لكل رجل أعمال سهمٌ في بناء إنسان، أو إنقاذ أسرة، أو تفريج كربة… فهناك حيث ترتفع الأكف بالدعاء، وتُكتب الأجور، وتُخلّد المواقف، يصنع العطاء مجده الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى