الطيبون لا يرحلون تماماً… عن “أبو طلال” أتحدث من مخدة الوداع الى خلود الذاكرة

أ د محمد شايع الشايع
استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
مراحلُ العمرِ مقننةٌ بقدرٍ محدد، لكنها عواطفنا التي لا تعترضُ القدر، بل تحاكي المشاعرَ بصياغة الألم، وتتنفس الذكريات دون مَلل. عبد العزيز فهد الغازي، ذلك الإنسان الذي نشأ يتيماً، وقد يبدو للبعض “مكسور الجناح” بفقد والده وهو لا يزال في المرحلة الابتدائية، ثم لحق به إخوته (مجول، وحمود)، وتربى عبد العزيز في كنف شقيقيه (عبد الله ومياح) ووالدتهم، ثم فُجع برحيل عبد الله ووالدته، لكنه واجه تلك الخطوب بعصاميةٍ وقوة وإرادة صلبة.
لم نكن عنه ولا معه غائبين عن المشهد، فقد كان قبل هذا الشهر المبارك ضيفاً جميلاً زارني في الرياض، والتقى في عشاءٍ بسيط ببعض أصدقائي، فنال بمودته وقربه مَحبة الدكتور عبد الإله الفرج، وقبلها كان قد التقى الغالي الدكتور عادل المقرن (أبو خلاد) مع صحبةٍ خيرة، عرفه “أبو خلاد” بالصدفة حينما أحضر الفقيد معه -رحمه الله- تمر “حلوة الوسيطاء” (قريتي)، وقال بوفائه المعهود: “هذه حلوة الوسيطاء”، فقال أبو خلاد: “لي صديقٌ منها”، فأجاب عبد العزيز: “معروف.. ليس هناك غيره، إنه محمد الشايع”. هكذا تأصلت العلاقة، وكان أبو خلاد آخر من تنزه معه في “شعيب ومنطقة المسمى”.
وفي يوم الأربعاء 22 رمضان 1447هـ (الموافق 11 مارس 2026م)، حملت الأخبار نعي الفارس “أبا طلال”، إثر سكتةٍ قلبيةٍ خاطفة حدثت في منزل الغالي مشرف الجبرين بعد صلاة التراويح، في شهرٍ فضيل، وبطريقةٍ لم يودّعه فيها أحد. هكذا يرحل الطيبون على حين غفلة، في صمتٍ يشبه صفاء حياتهم، تاركين في القلوب دهشة الفقد وثقل الذكرى. وكأن الحياة في لحظةٍ خاطفة تعيد ترتيب معنى الرحيل، لنتذكر قول عمي مطلق -رحمه الله- بلهجته العفوية: “هذا بلا أبوك… خونه ما تلعب”.
ما أقسى أن يترجل من الذاكرة رجلٌ كان جزءاً من أيامك الأولى، ومن تعب البدايات، ومن دفء الرفقة التي لا يصنعها الزمن بل تصوغها المواقف! وما أمرّ أن تستدعي الذاكرة ملامح وجهٍ ألفته، قريباً منك في السكن والدراسة، فتجيئك الذكرى حيّة، ثم يداهمك اليقين أن صاحبها قد رحل إلى جوار ربه. لم يكن عبد العزيز الغازي بالنسبة لي زميل دراسةٍ فحسب، ولا رفيق سكنٍ عابراً، بل كان أخاً في المودة وصاحباً في الطريق. سكنت معه أربع سنوات، والدراسة والسكن المشترك يكشفان معادن الرجال، فالحياة هناك لا تعرف المجاملة الطويلة، ولا تخفي الطباع خلف الأقنعة.
في تلك السنوات عرفت عبد العزيز كما يعرف المرء أخاه، طيب القلب، نقي السريرة، دمث الخلق، جميل المعشر. كان ممن تأنس بهم الأماكن وتطمئن بحضورهم النفوس، إذا دخل أقبل معه الهدوء، وإذا ابتسم شعرت أن للحياة وجهاً أكثر رحمة. لم يكن صاحب الحضور، لكنه كان عميق الأثر، يترك فيك الألفة من غير تكلف، والمحبة من غير طلب. كان ضحوكاً خفيف الروح، ثابت المروءة، كريم السجايا، لا يجرح أحداً ولا يتعالى على أحد. وإذا ضاقت بعض اللحظات بما يضيق به الشباب في بدايات العمر، بقي هو الأهدأ نفساً، والألين جانباً، يعيد للرفقة صفاءها بكلمةٍ لطيفة أو ابتسامةٍ صادقة.
عشنا معاً سنواتٍ هي من أصدق سنوات العمر، فيها شظف البدايات، وسهر المذاكرة، وأحاديث المساء، وتدبير الأيام بما فيها من ضيقٍ واتساع. وفي مثل تلك التفاصيل يظهر جوهر الإنسان، وقد كان عبد العزيز أصيلاً، وفياً، نبيلاً، وشهماً. ولهذا كان رحيله موجعاً، لا لأن الموت غريبٌ، بل لأن بعض الناس إذا غابوا غاب معهم جمال المرحلة ونقاء الذكرى.
استمرت مسيرته ليكون مضيفاً كريماً في حي النسيم الغربي بالرياض، حيث كان بيته “فندقاً” لضيوفه، شاركته فيه “أم طلال” كل مراحل الضيافة وبذل الكرم، فأحسن الله عزاءها في رفيق دربها، وأطال عمرها مع أولادها. أبا طلال تبكيه “شركة عسير الزراعية”، وصحبة العمل، وزملاء استراحة حي “صبابة” بحائل، ورفقة الدراسة.. هكذا ينعي الطيبون طيباً مثلهم.
رحل أبو طلال، لكن صورته بقيت حيّة، في المجالس، وفي تفاصيل الأيام، وفي المواقف الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها الناس، لكنها بعد الرحيل تصبح أثمن الذكريات. بقي صوته، وبشاشته، وطيبته التي كانت تسبق اسمه. وهذا هو الخلود الإنساني النبيل: أن يرحل الجسد وتبقى السيرة تمشي بين الناس بالدعاء والذكر الحسن. رحمك الله رحمة واسعة يا عبد العزيز، وغفر لك، وأكرم نزلك، وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأنار مرقدك، وجعل الفردوس الأعلى مستقراً لك، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.
أما نحن يا صديقي، فسنمضي كما يمضي الناس، لكننا كلما مررنا بذكرى تلك السنوات، أو جلسنا في مجلسٍ يشبه مجالسنا القديمة، سنشعر أن شيئاً منك ما زال هنا. فالرجال الطيبون لا يغيبون تماماً، إنهم يتحولون بعد الرحيل إلى دعاءٍ في القلوب، وضياءٍ في الذاكرة، وحنينٍ لا يخبو. رحلت يا أبا طلال، لكن صدقك باقٍ، وذكراك باقية، وموعدنا بإذن الله حيث لا فراق.
إنا لله وإنا إليه راجعون، وأحسن الله عزاء أخيه مياح، وأبنائه طلال وفهد وفيصل، وبناته وزوجته، والغالي مشرف الجبرين شريكه وصديقه وزملائه استراحة صبابة وكل صديق وزميل سيرفع أكف الضراعة داعيا له. وسنطبق بنا وعلينا
وما الدهر إلا جامعٌ ومفرِّق
وما الناس إلا راحلٌ ومودَّع
فإن نحن عِشنا يجمع الله شملنا
و إنّ نحن مِتنا فالقيامةُ تجمع
رحم الله أبا طلال عبدالعزيز فهد فيصل الغازي وغفر له ورحمه واسكنه فسيح جناته وجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى