حين يتحوّل المرض إلى تجارة

بقلم حنان حسن الخناني
لم يكن المرض يومًا مجرّد ألمٍ في الجسد، بل كان دائمًا امتحانًا للروح، ولحظة ضعفٍ يبحث فيها الإنسان عن يدٍ تمتدّ إليه بالرحمة قبل الدواء. كان الطبيب في الذاكرة الإنسانية صورةً للأمان، وصوتًا يطمئن القلوب قبل أن يصف العلاج، وكانت المستشفيات بيوتًا للشفاء، لا أبوابًا للقلق أو الحساب.
لكن شيئًا ما تغيّر…
تسلّل إلى هذا العالم الأبيض البارد خيطٌ خفي من الحسابات، حتى اختلطت الرحمة بالأرقام، وصار الألم في بعض الأحيان فرصة، لا مسؤولية.
حين يتحوّل المرض إلى تجارة، يفقد وجعه معناه الإنساني، ويُختزل إلى فاتورة. يصبح المريض رقمًا في سجل، لا روحًا تستغيث. تُطلب الفحوصات لا لأن الحاجة تفرضها، بل لأن النظام يُغري بها، وتُقترح العلاجات لا لأنّها الأنسب دائمًا، بل لأنّها الأعلى ثمنًا. هنا، لا يُقاس النجاح بشفاء الإنسان، بل بحجم الأرباح، ولا تُحفظ كرامة المريض بقدر ما تُثقل كاهله الأعباء.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نعمّم القسوة على الجميع. فما زال في هذا العالم أطباء يحملون قلوبًا بيضاء، يرون في مهنتهم رسالة لا صفقة، ويقفون بين الحياة والموت بضميرٍ حيّ لا يُشترى. هؤلاء هم الضوء الذي يمنع العتمة من الاكتمال، وهم الدليل على أن الإنسانية لا تزال ممكنة، حتى في أكثر الأماكن ازدحامًا بالماديات.
إن الخلل ليس في الطب، بل في النفوس حين تُغريها المكاسب، وفي الأنظمة حين تضع الربح قبل الإنسان، وفي صمتٍ طويلٍ اعتاد أن يقبل دون أن يسأل. فالمريض الواعي ليس خصمًا للطبيب، بل شريكٌ في رحلة العلاج، وصوته حين يسأل ويحاور، هو دفاعٌ عن حقه لا اعتراضٌ على مهنته.
سيبقى المرض جزءًا من حياة الإنسان، لكن ما يجب ألا يكون جزءًا منها، هو أن يتحوّل هذا الضعف إلى سلعة، وأن يصبح الألم سوقًا مفتوحة. فالطب، في جوهره، عهدٌ أخلاقي قبل أن يكون علمًا، ورسالةُ رحمة قبل أن يكون مهنة.
وحين نتذكّر ذلك…
قد نعيد للشفاء معناه،
والإنسان كرامته،
وللمهنة روحها التي كادت أن تُنسى
{ وقِفوهُم إنّهم مَسؤولُون }.


