استقلال اقتصادي أم عزلة استراتيجية؟ ترامب على مفترق طرق عالمي

 

بقلم: د.محمد الحلفي

في خطوة وُصفت بأنها تصعيد جديد في الحرب التجارية العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية واسعة النطاق على واردات من عدة دول، على رأسها الصين، واصفًا القرار بأنه إعلان لـ”استقلال اقتصادي” جديد للولايات المتحدة.

خطاب ترامب، الذي جاء بطابع صاخب، يحمل أبعادًا تتجاوز التجارة، ليطال جوهر الدور الأمريكي في النظام الاقتصادي العالمي.

الرسوم الجمركية: عدالة اقتصادية أم عبء على المستهلك؟

تستهدف الإجراءات الجديدة سلعًا صناعية وتكنولوجية، برسوم تتراوح بين 20% و60%. ووفقًا لتصريحات ترامب، تهدف هذه الخطوة إلى “استعادة العدالة الاقتصادية” وحماية المصانع والعمال الأمريكيين من “ممارسات تجارية غير نزيهة”، في إشارة واضحة إلى الصين ودول أخرى تملك فوائض تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة.

لكن على الجانب الآخر، أبدى العديد من الاقتصاديين تحفظاتهم إزاء هذه السياسات الحمائية. فقد حذّر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي من احتمال ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 10% إلى 15%، إضافة إلى تباطؤ متوقع في النمو الاقتصادي قد يصل إلى 0.7% في السنة الأولى من تطبيق الرسوم.

رئيس المعهد، آدم بوزن، أشار إلى أن “الرسوم الجمركية الواسعة لا تعني بالضرورة تقوية الاقتصاد، بل قد تؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمواطن الأمريكي وتقليص الوظائف في قطاعات تعتمد على سلاسل الإمداد العالمية”.

أداة سياسية بلباس اقتصادي؟

يرى بعض المراقبين أن إعلان ترامب لا ينفصل عن طموحات سياسية أوسع، إذ يُستخدم كأداة خطابية لإعادة حشد قاعدته الشعبية، لا سيما في الولايات الصناعية التي تضررت من تداعيات العولمة.

وفي تحليل نشرته مؤسسة بروكينغز، تم التأكيد على أن هذه السياسات تخاطب الطبقة العاملة البيضاء التي شعرت بتراجع الأجور وفقدان الوظائف، وتندرج ضمن نهج تعبوي يُرسّخ حضوره السياسي ويُمهّد لدور أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة، سواء داخل الحزب الجمهوري أو في المشهد الأمريكي الأوسع.

هذا التصعيد قد يُشعل موجة جديدة من المواجهات التجارية. العديد من العواصم الكبرى بدأت تدرس إجراءات انتقامية، ما قد يعمّق الاضطراب في المشهد الاقتصادي العالمي.

وفي تحليل نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، حذّر خبراء من تسارع تشكيل تكتلات اقتصادية إقليمية بديلة للسوق الأمريكية، مما قد يُضعف النفوذ التجاري للولايات المتحدة ويدفع بثقل الاقتصاد العالمي نحو آسيا وأوروبا.

أما الخبير الاقتصادي دانييل غروس، فأكد أن “الحماية الزائدة قد تُضعف مكانة الولايات المتحدة على المدى الطويل، خصوصًا إذا ردّت الصين والاتحاد الأوروبي بسياسات مضادة تُفاقم من عزلة السوق الأمريكية”.

 

 

تقف الولايات المتحدة اليوم أمام مفترق استراتيجي حاد: هل تمضي قدمًا في نهج الحمائية والانكفاء، أم تعود إلى طاولة التفاوض ضمن النظام التجاري متعدد الأطراف الذي كانت من أبرز مؤسسيه عقب الحرب العالمية الثانية؟

السؤال الجوهري: هل يمثّل “استقلال ترامب الاقتصادي” تحررًا من القيود الخارجية، أم مجرد مغامرة مكلفة في عالم يزداد تشابكًا وتكاملًا؟

لا يمكن قراءة إعلان ترامب بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة. فالولايات المتحدة، التي قادت لعقود عجلة العولمة، تنسحب الآن من النظام الذي ساهمت في بنائه، تحت ذريعة حماية المصالح القومية.

لكن الاقتصاد الحديث لم يعد مجرد صراع بين مصنعين ومستهلكين، بل منظومة عالمية معقدة تتقاطع فيها سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والمصالح الجيوسياسية.

الخلاصة: بين وعود الداخل وتحديات الخارج

الحمائية قد تُرضي القواعد الانتخابية مؤقتًا، لكنها لا تُنتج اقتصادًا تنافسيًا طويل الأمد. بل قد تُقوّض جاذبية الولايات المتحدة كمركز للاستثمار والابتكار، وتدفع الحلفاء نحو تشكيل تحالفات بديلة.

في عالم متعدد الأقطاب، لا تُقاس القوة الاقتصادية فقط بالقدرة على فرض الرسوم، بل بالقدرة على بناء التحالفات، وضمان الاستقرار، وصياغة مستقبل اقتصادي مشترك.

فهل يكون “الاستقلال الاقتصادي” بوابة إلى نهضة جديدة، أم مقدّمة لعزلة تضعف أمريكا من حيث أرادت أن تقوّيها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى